أثمرت الزيارة الجديدة للمبعوث الأممي، مارتن غريفيث، لليمن، الإعلان عن اتفاق يمكن القول إنه يشكّل اللبنة الرئيسة للجولة التفاوضية المقبلة، المنتظر عقدها في السويد مطلع الشهر المقبل. اتفاق يمثّل، عملياً، استجابة للمبادرة التي كانت قد طرحتها مراراً حركة «أنصار الله»، والقائمة على منح الأمم المتحدة دوراً إشرافياً في ميناء الحديدة، سحباً للذرائع التي يشهرها «التحالف» بوجه المجتمع الدولي لمهاجمة الميناء وتعطيله. وإذا ما سلكت الخطة سبيلها إلى التنفيذ، فهي ستشكل دفعة كبيرة لمفاوضات السلام، التي جدّدت الإمارات أمس دعمها لها، بعدما كانت سلطات صنعاء قد تحدثت عن «آمال كبيرة» بها هذه المرة.

وأعلن غريفيث، أمس، عقب زيارته مدينة الحديدة، «أننا اتفقنا على أن الأمم المتحدة يجب أن تنخرط الآن، وبشكل عاجل، في مفاوضات تفصيلية مع الأطراف، للقيام بدور رئيس في ميناء الحديدة، وأيضاً على نطاق أوسع»، لافتاً إلى «(أننا) نعتقد أن مثل هذا الدور سيحافظ على خط الإمداد الإنساني الرئيسي الذي يبدأ من هنا ليخدم الشعب اليمني، وسيسهم في زيادة قدرة الميناء وفاعليته». وبالنظر إلى أن «أنصار الله» كانت قد أبدت، على لسان معظم مسؤوليها وفي مقدمهم زعيمها عبد الملك الحوثي، استعدادها لمنح المنظمة الدولية دوراً من هذا النوع في الميناء، يُفهَم من تسمية غريفيث ما أعلن عنه بـ«الاتفاق»، وحديثه بثقة وشيء من التفصيل في شأنه، بأن ثمة ضوءاً أخضر دولياً للمضيّ في هذه الخطة، التي كانت السعودية والإمارات ترفضانها بشدة، مطالِبتَين بانسحاب كامل لـ«أنصار الله» من مدينة الحديدة ومينائها. ولعلّ قول غريفيث إن «أنظار العالم تتّجه صوب الحديدة»، وإن «القادة والرؤساء من كل البلدان دعوا إلى الحفاظ على السلام في الحديدة»، واعتباره أن «هذه خطوة أساسية إذا أردنا حماية أرواح المدنيين وبناء الثقة بين الأطراف»، يصبّان في مصلحة المعنى المتقدم.
ووفقاً لمصادر مطلعة في صنعاء، فإن «الدور الإشرافي» يعني أن تقوم الأمم المتحدة بسحب فرق التفتيش التابعة لها من جيبوتي إلى الميناء، حيث تتولّى الإشراف على الحركة الملاحية، ووقف أي تدخلات أو عمليات إعاقة من قِبَل بوارج «التحالف»، على أن تبقى «مؤسسة موانئ البحر الأحمر» ــــ بموظّفيها المعيّنين من قِبَل سلطات صنعاء ــــ هي صاحبة الحقّ في إدارة الميناء وتشغيله. وتشير المصادر إلى أن «أنصار الله» اشترطت، خلال لقاءاتها الأخيرة بالمبعوث الأممي، رفعَ جميع القيود المفروضة على المنفذ البحري الرئيس في اليمن (وفي مقدّمها منع دخول سفن الحاويات إليه منذ مطلع العام الجاري)، وإعادةَ تشغيل ميناء رأس عيسى النفطي، بما يسهم في معالجة أزمة الباخرة «صافر» العائمة في البحر بأكثر من مليون برميل من النفط، ويخفّف الضغط عن ميناء الحديدة. وينُظر، في صنعاء، إلى حديث غريفيث عن «زيادة قدرة الميناء وفاعليته»، على أنه مؤشر إيجابي، يتضمّن ــــ في ما يتضمّن ــــ العمل على صيانة الرافعات التي دمّرها طيران «التحالف» وإعادتها إلى الخدمة.
الإيجابية التي حملتها زيارة المبعوث الأممي للحديدة، عزّزها حديث لوزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي، أنور قرقاش، رأى فيه أن «السبيل الأفضل للتقدم نحو عملية سياسية مستدامة هو دعم محادثات السويد وعمل المبعوث الخاص للأمم المتحدة، دون الحكم مسبقاً على هذه المفاوضات». وشدّد قرقاش، في موقف لافت، على أنه «من أجل دعم هذه المحادثات بشكل بنّاء، يجب استخدام أي قرار جديد لمجلس الأمن في الوقت المناسب»، في تأييد ضمني لمشروع القرار البريطاني، الذي لا تزال «أنصار الله» تبدي تحفّظاً كبيراً عليه، محذرة من أن يكون «لغماً آخر في طريق السلام» على حدّ تعبير وفد صنعاء التفاوضي، عبد الملك الجعري. ومع ذلك، فإن «أنصار الله» أعلنت، أول من أمس، للمرة الأولى منذ انطلاق الحراك الدولي الساعي إلى وقف الحرب، أن ثمة «آمالاً كبيرة» بإنهاء العدوان على «مراحل متعددة»، وفق ما قال رئيس «اللجنة الثورية العليا»، محمد علي الحوثي. وأعقب الموقف الأخير لقاء بين زعيم «أنصار الله» ومندوب المنظمة الدولية، شدّد فيه الأول على ضرورة توفّر «الصدقية والإرادة لدى قوى العدوان للذهاب إلى الحل السياسي، بعيداً عن المغالطات والتزييف كما يحصل قبيل كل مشاورات يتمّ الإعداد لها».