نازحو القطاع: كيف تتّسع حقيبة صغيرة لحياة كاملة؟


غزة | ما إن بدأت الحرب، حتى سارعت العائلات الفلسطينية في قطاع غزة إلى تجهيز حقائب النزوح، وهي تنازع روحها. تدخل في حيرة مريرة، فكل غرضٍ له حكايته. ثم يتساءلون: كيف لنا أن نختزل هذا كله في حقيبة صغيرة؟ يروي أبو محمد (41 عاماً) الذي يسكن على مشارف منطقة الصفطاوي من الناحية الجنوبية، لـ»الأخبار»، قصته مع النزوح؛ إذ يقول: «ما إن تم الإعلان عن طوفان الأقصى، حتى طلبت من زوجتي تجهيز حقيبة لكل واحد منا، لتقف مشدوهة، فلا يعقل أن نجمع كل ما في البيت داخل حقيبة مدرسية صغيرة». يضيف: «بينما جهزت زوجتي الملابس، جهزت الوثائق المهمّة، وبعضاً من الذكريات الجميلة»، موضحاً أن كل حقيبة اشتملت على لباس واحد، وزجاجة مياه، وأدوات النظافة الشخصية، «بينما حملت طفلتي ماريا، ذات الأعوام العشرة، بعضاً من أوراق الرسم والألوان والقصص». ويصف النزوح الأخير بأنه الأكثر صعوبة، بعدما أمر الاحتلال، مطلع الشهر الماضي، بإخلاء شمال قطاع غزة، «والظروف الحياتية، اليوم، ازدادت صعوبة، فلا طعام ولا شراب ولا كساء، وإن وجد يكون بأسعار خيالية». يتابع الأربعيني: «حملنا حقائبنا ذاتها، ولكن هذه المرّة أضفنا حقيبة الطعام وكيس الأخشاب والطحين»، منوّهاً إلى أنه سرعان ما عاد إلى مكان إقامته على رغم المخاطر العالية، إذ إن «ما حملته من طعام، لم يكف سوى لأسبوع واحد فقط».
وفي ملعب اليرموك، وسط مدينة غزة، تتراصّ الخيم في ساحته وعلى جوانبه، لتحتضن نازحي الشمال، الذين أجبرهم جيش الاحتلال على ترك بيوتهم ومراكز إيوائهم. هناك، تجلس ريما القدرة (46 عاماً) أمام خيمتها، والبؤس بادٍ على وجهها، إذ تقول، لـ»الأخبار»، إنها مذ بدأت الحرب، أعدّت حقيبة النزوح ووضعت فيها «الهوية الشخصية، والملابس الشتوية والصيفية، والأحذية المنزلية والخارجية، فضلاً عن الأدوية والمستلزمات الخاصة بالشعر والعناية الشخصية». وتوضح أنها أعدّت حقيبة خاصة بالطعام وأخرى بمواد التنظيف حفاظاً على سلامة أبنائها من الأمراض في مخيمات النزوح. وتستدرك: «عندما أجبرنا جنود الاحتلال على الخروج من المنزل والسير في اتجاه مدينة غزة، لم نجد أيّ وسيلة مواصلات تنقلنا من بيت لاهيا إلى مدينة غزة، ما اضطرنّي إلى ترك حقيبتَي الطعام ومواد التنظيف في منتصف الطريق لعدم قدرتي على حملها، وهو ما ندمت عليه بعدما وصلت إلى مخيم النزوح، حيث الغلاء الفاحش في أسعار الطعام وغيرها من الاحتياجات الخاصة بنا».
في ملعب اليرموك وسط مدينة غزة، تتراصّ الخيم في ساحته وعلى جوانبه لتحتضن نازحي الشمال
أما سمر قحمان (42 عاماً)، فما زالت إلى الآن تندب حظّها بعدما وقعت منها حقيبتها، إذ تقول إنها أعدّت لكل واحد من أبنائها حقيبته الخاصة، والتي تحتوي على كل متعلقاته من ملابس ومستلزمات خاصة وزجاجة مياه وبعض الطعام. وتضيف: «في الحقيبة التي كنت أحملها على ظهري، وضعت الوثائق المهمّة والتقارير الطبية والعلاجات الخاصة بطفلي الذي يعاني من اضطرابات نفسية». وتوضح أنها، أثناء نزوحها، وقعت منها تلك الحقيبة وعندما نزلت لالتقاطها، أمرها جنود الاحتلال بتركها ومواصلة سيرها مهدّدين إيّاها بالقتل في حال أخذتها، «والآن أعاني الأمرّين مع طفلي المريض لعدم قدرتي على ضبط سلوكه لعدم أخذه علاجه».
ولا يختلف حال آية البدوي (28 عاماً) عن سابقتها كثيراً، بعدما اضطرّت إلى إلقاء حقيبتها في الطريق لعدم قدرتها على حملها. وتقول، في حديث إلى «الأخبار»، إنها كانت قد جهزت حقيبة صغيرة وضعت فيها أوراقها الثبوتية وشهادات الميلاد لطفلتَيها ومالها وذهبها ولباساً واحداً لكل من طفلتَيها، «فالعدو الصهيوني لم يترك لنا مجالاً لنأخذ أي شيءٍ آخر». وتوضح السيدة التي قُتل زوجها منذ ثمانية أشهر، أنها خرجت من مركز إيواء «أبو التمام» في بيت لاهيا وسارت مع طفلتيها نحو 10 كيلومترات، وهو ما لم تستطع الطفلتان تحمّله، ما اضطرّني في منتصف الطريق إلى إلقاء حقيبتي الخاصة وحمل طفلتَيّ: واحدة على كتفي والأخرى على يدي، «وقلت في نفسي، لا يهمّ كل ما في الحقيبة، المهم أن أنجو بطفلتَيّ من الدبابات والمسيّرات التي تحيط بنا من كل جانب»، واصفة المشهد و»كأنه يوم الحشر».
وتؤكد أفنان عبد العال (20 عاماً)، التي لم يمض على زواجها أشهر معدودة، فقدت خلالها زوجها الذي كان يحلم برؤية طفلهما الذي تحمله في بطنها، أنها على رغم إصابتها في المفصل، إلا أن الاحتلال أجبرها على النزوح من مخيم جباليا «فلم أستطع أن أحمل سوى الأوراق المهمة، وبعض الملابس الخاصة بي». وتضيف: «كنت قد جهزت وزوجي بعضاً من الملابس لطفلي، إلا أنني من شدّة التوتر والقصف المحيط بنا، لم أستطع حتى أخذ أيّ من مقتنيات زوجي لتبقى ذكرى لي ولطفلي من بعده»، مشيرة إلى أنه «لا يمكن أن نختصر بيتاً كاملاً في حقيبة صغيرة لا تتّسع لأيّ شيء».
