ذوو الإعاقة... ضحايا الإبادة الصامتون


دير البلح | أمام خيمتها في دير البلح وسط قطاع غزة، كانت شيماء تجلس على كرسيّها المتحرّك، وتنشغل بتنظيف ملابس أطفالها الثلاثة بيديها اللتين «أكلتهما» الخشونة. كانت شيماء، ذات الـ32 عاماً، تقف على قدميها قبل الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في السابع من أكتوبر 2023، لكنّ قصفاً مفاجئاً استهدف منزلها في مدينة غزة أفقدها ساقيها، لتصبح حبيسة الكرسي المتحرّك. ومع نزوحها وزوجها وأطفالها إلى دير البلح، تواجه تحديات هائلة في تلبية احتياجاتهم اليومية، وخاصة في إعداد الطعام، في ظلّ افتقار الخيمة التي تؤويهم إلى أبسط مقوّمات الحياة؛ فلا مطبخ مجهّز، ولا أدوات ملائمة تساعدها على أداء أبسط المهام. وفيما يقضي زوج شيماء جلّ وقته في عمله في بيع بعض المواد الغذائية على بسطة في سوق الدير، تضطر شيماء، وبلا مساعدة من أحد، إلى البحث عن الحطب خارج المخيم، لإشعال النار وإعداد الطعام لأسرتها، محاولةً تقطيع الخبز وتحضير الأطباق البسيطة لأطفالها بيدين ترتجفان من الألم والتعب.
تقول المرأة في حديثها إلى «الأخبار»: «كل يوم أحتاج إلى بذل جهد مضاعف حتى أؤمّن لأطفالي لقمة تسدّ جوعهم. رغم إعاقتي، لا أستطيع أن أراهم جياعاً»، لافتة إلى أنها تجد صعوبة في الوصول إلى بعض المساعدات الغذائية التي تقدّمها المنظمات الإنسانية، فـ«أضطر إلى طلب مساعدة جيراني في المخيم، ورغم شعوري بالخجل إلا أنني لا أجد خياراً آخر». وتضيف: «لقد وهبت حياتي لأطفالي، فلن أسمح لإعاقتي أن تمنعني من أن أكون لهم أماً تطعمهم وتدفئهم وتلعب معهم. لن أسمح لليأس بأن يغلبني، فأطفالي بحاجة إليّ، وسأبذل كل جهدي من أجلهم، حتى وإن كان هذا الجهد يفوق قدرتي».
أما المسنّ «أبو فايز»، فيعيش على كرسي متحرّك في خيمة صغيرة في منطقة المواصي جنوبي قطاع غزة، هو الذي أصيب بالشلل نتيجة حادث سير قبل نحو عشرين عاماً، أقعده عن العمل وعطّله عن ممارسة حياته الطبيعية. وخلال الحرب، تضاعفت معاناة الرجل ذي الـ62 عاماً، وهي المعاناة القاسية نفسها التي يعيشها أبناؤه في توفير احتياجاته، خاصة عند النزوح من أماكن سكنهم. ويقول ابنه الأكبر فايز لـ«الأخبار»: «أصبح والدي المسنّ يشعر بالعزلة الشديدة، ويتمنى الموت حرفياً، فهو يرى أنه أصبح عالة على الجميع من حوله». ويلفت إلى أنه خلال النزوح من منزل العائلة في مدينة غزة، تولّى هو قيادة كرسي والده المتحرّك خلال الهرب من القصف، وحينها سمعه يبكي. ويضيف: «لم أسأله عن السبب ولكنني أعتقد لشعوره بأنه يسبب المشقة لمن حوله». وبحسب ابنه، يعاني أبو فايز من صعوبة في التحرك بحرية على كرسيه داخل الخيمة، بسبب الأرضية الرملية والطين المتراكم بعد هطول الأمطار. كما يجد صعوبة في الوصول إلى دورات المياه، ما يجعله يعتمد على مساعدة أفراد من المخيم.
تأثيرات النزوح على الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة أكثر عمقاً من غيرهم
ويُعتبر أبو فايز وشيماء نموذجيْن من بين الآلاف من ذوي الإعاقة في قطاع غزة، والذين أدّت الحرب الدموية الجارية إلى زيادة في أعدادهم، علماً أن أحدث الإحصاءات المحلية يشير إلى أن هناك 58 ألف فرد من فئات الأطفال وكبار السن والنساء من ذوي الإعاقة في القطاع. وفي ظل افتقار المخيمات وأماكن النزوح المؤقتة للتجهيزات المناسبة ووسائل الوصول الآمنة للمعوّقين حركياً، يواجه هؤلاء صعوبة بالغة في الهروب خلال عمليات النزوح المتكررة، ويتعرّضون لمخاطر متزايدة نتيجة انهيار البنية التحتية وغياب التحذيرات المسبقة عند استهداف المناطق. وفي هذا السياق، تؤكد تقارير الأمم المتحدة أن الأشخاص ذوي الإعاقة يواجهون أيضاً تحديات في الحصول على المواد الأساسية مثل الغذاء والماء، إلى جانب افتقارهم للأدوية والمعدات الطبية الضرورية، ما يعرّضهم لخطر الإصابة بمضاعفات صحية حادّة.
من جهته، يقول إياد الشوربجي، الخبير النفسي والاجتماعي، في حديثه إلى «الأخبار»، إن النزوح المتكرر أثناء الحرب يترك آثاراً نفسية عميقة على المعوّقين حركياً، وخاصة الآباء والأمهات الذين يعانون من الإعاقة، لافتاً إلى أن «هذا النزوح لا يعني فقط فقدان المنزل، بل يعني أيضاً مواجهة بيئة جديدة وصعبة، حيث يعانون من تدهور في الإحساس بالأمان الشخصي والأسري». ويتابع: «يشعر هؤلاء الآباء والأمهات بالعجز، حيث لا يستطيعون تلبية احتياجات أطفالهم بشكل كامل ولا حماية أسرتهم من الظروف القاسية المحيطة بهم». ويوضح أن هذه الفئة تعاني بشكل مستمر من الإحساس بمشاعر القلق المستمر والاكتئاب والإحباط والعزلة، «إذ تتضاءل قدرتهم على التفاعل مع الآخرين والمشاركة في الأنشطة المجتمعية، ما يعمّق من شعورهم بالوحدة».
أما بالنسبة إلى الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة والمعوّقين حركياً، فيوضح الشوربجي أن تأثيرات النزوح عليهم تكون أكثر عمقاً، «فهؤلاء الأطفال يشعرون باضطراب في حياتهم الأسرية ويتعرّضون لضغوط نفسية مبكرة بسبب الخوف من فقدان الأمان والاحتياج إلى دور الراعي المبكر». ويشير إلى أن هذه التجارب تؤدي إلى مشكلات نفسية لديهم مثل التوتر، وقد تؤثّر على نموهم العاطفي والاجتماعي. وبالإضافة إلى ذلك، قد يشعر الأطفال «بمسؤولية كبيرة تجاه والديهم، ما يزيد من العبء النفسي عليهم، ويؤدي إلى اضطراب في تطورهم الطبيعي بسبب الأعباء التي يتحملونها وهم في سنّ مبكرة».
