جنوب أفريقيا تجني ثمار جهودها: انتصار أول بوجه إسرائيل

حقّقت الديبلوماسية الجنوب أفريقية نجاحاً كبيراً لجهة إقناع «المحكمة الجنائية الدولية» (21 الجاري) بإصدار مذكرة اعتقال بحقّ رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت، ما أثار غضباً عارماً في مكتب الأول، كما في واشنطن. في المقابل، رحّبت دول عديدة بالخطوة، وأعلنت استعدادها لتنفيذ قرارات المحكمة. وتوّج القرار جهوداً حثيثة بذلتها بريتوريا، منذ مطلع العام الجاري، لإدانة العدوان الإسرائيلي في «الجنائية» التي تسري أحكامها في 124 دولة حول العالم موقّعة على «نظام روما الأساسي». وأضيف هذا الانتصار المهمّ، على رغم رمزيته، إلى سجل نشاط جنوب أفريقيا في محافل دولية مهمّة، من مثل مجموعة «بريكس»، وقمّة ريو لـ«مجموعة العشرين»، الأمر الذي عزّز قيادتها المؤثّرة داخل «الجنوب العالمي».
مذكرة الاعتقال وحدود الانتصار الأخلاقي
وبدا لافتاً، قبل صدور قرار «الجنائية» بأسابيع، تأكيد وزير العلاقات الخارجية في الحكومة الجنوب أفريقية، رونالد لامولا (المرشح القوي لخلافة الرئيس الحالي سيريل رامافوسا)، في حديث إلى مجلة «فورين بوليسي» (26 أيلول)، أن موقف بلاده من الحرب في غزة، هو «موقف أخلاقي تقتضيه التجربة التاريخية التي شهدتها خلال قرون من الاستعمار الاستيطاني والعنصرية»، موضحاً تفهُّم أغلب قضاة المحكمة واقع أن إسرائيل قوّة احتلال، و«من ثم فإنه لا يمكنها ادّعاء الدفاع عن النفس». وأوضح أيضاً أن الدفع القوي لبلاده في القضية لا ينفي إدانتها أحداث السابع من أكتوبر.
وتظهر من تعليقات لامولا، وزير العدل في الحكومة الجنوب أفريقية السابقة والذي أشرف على ملفّ الدعوى، عمق متابعته للملف، وقدرة المؤتمر الوطني على تفادي تأثيرات من داخل أحزاب في حكومة الوحدة الوطنية - ولا سيما «التحالف الديموقراطي» الذي يعبّر إجمالاً عن مصالح البيض وشبكات تحالفاتهم الغربية المعروفة، وحلّ ثانياً في الانتخابات النيابية التي شهدتها البلاد في الربيع الفائت -، لتغيير سياساتها المبدئية تجاه القضية الفلسطينية. وكان «الديموقراطي» قد صعّد، أخيراً، هجومه على شريكه الأكبر في السلطة، معتبراً أنه يستغلّ الحرب في غزة لتحقيق مكاسب سياسية داخلية، في ما يتطابق مع الدعاية الإسرائيلية ضدّ بريتوريا، علماً أن «التحالف» أعلن، في بيان (7 تشرين الثاني)، دعمه خيار «السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل، وصولاً إلى حل الدولتين».
تبدو مسألة فلسطين جزءاً جوهرياً في ديبلوماسية بريتوريا في أفريقيا
بريتوريا والقضية الفلسطينية: أجندة الجنوب العالمي
يبدو من سجالات الديبلوماسية الجنوب أفريقية المختلفة، في الأسابيع الأخيرة، من قمة البريكس (قازان - تشرين الأول)، إلى مشاركة الرئيس سيريل رامافوسا، عشية عيد ميلاده الـ 72، على رأس وفد بلاده في «قمّة العشرين» (18-19 الجاري)، حضور ملف القضية الفلسطينية بتشابكاتها، وذلك على رغم ما تواجهه بريتوريا من سلسلة تحديات داخلية وخارجية: تصاعد الخلافات بين مكونات الائتلاف الحاكم إزاء عدد من القضايا الخارجية (مثل الحرب في غزة، والموقف من العلاقات مع إسرائيل)، وتباين الرؤى حول أولويات الإصلاحات الداخلية اقتصادياً وسياسياً وأمنياً، وكذلك جهود بريتوريا لتقوية علاقاتها الأفريقية انطلاقاً من لعبها دوراً قيادياً في مجمل حركة «الجنوب العالمي». وفي هذا الجانب، أشارت تقارير إلى دفع بريتوريا القوي والملموس في قمة «G20» الأخيرة (المقرر تسلّم جنوب أفريقيا قيادتها في عام 2025) إلى تبنّي بيانها الختامي إشارات قوية إلى القضية الفلسطينية؛ إذ تضمّن البيان (19 تشرين الثاني) إشارة إلى ضرورة قيام دولتين إسرائيلية وفلسطينية «تعيشان جنباً إلى جنب في سلام داخل حدود آمنة معترف بها»، مع التأكيد على حق فلسطين في تقرير المصير.
كما سجل لامولا حضوراً طاغياً في القمّة التي استبقها بزيارة ذات دلالة إلى القاهرة (14-15 الجاري) التقى خلالها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، فيما أطلق مشاورات ثنائية رفيعة المستوى بين البلدين حضرت فيها مسألة الحرب الإسرائيلية في غزة. وقد أكد، خلال اجتماع وزراء خارجية المجموعة (18 تشرين الثاني)، دعم بلاده الكامل لفلسطين، وأن القضية الفلسطينية ترتبط «جذرياً» بنضال جنوب أفريقيا التاريخي ضد «الأبارتهايد» وأهمية الدعم الدولي للقضية الجنوب أفريقية وقتها، ثم للقضية الفلسطينية حالياً مع قرب دخولها العقد التاسع. وهكذا، تبدو مسألة فلسطين جزءاً جوهرياً في ديبلوماسية بريتوريا داخل مسارات علاقاتها الثنائية الإقليمية في أفريقيا، وفي المنصات الدولية المهمّة التي تلعب فيها أدواراً متصاعدة: «بريكس» و«مجموعة العشرين».
خلاصة
تلتقي اعتبارات الموقف التاريخي والنضالي لـ«حزب المؤتمر الوطني الأفريقي»، مع حسابات إعادة الاعتبار إلى دور زعامته في السياسات الداخلية والخارجية (بعد فشل ملحوظ للرئيس الحالي رامافوسا في الحفاظ على ثقة قطاعات شابة في قيادته، يحسب محصلة الانتخابات الأخيرة)، بتصدير وجه جديد ومرجّح - وفق تقارير حزبية جنوب أفريقية معتبرة -، هو وزير الشؤون الخارجية الحالي لامولا، لقيادة الحزب في الفترة المقبلة. ويتقاطع ذلك أيضاً مع تطلعات بريتوريا إلى الحفاظ على مكانتها كرأس حربة في الجنوب العالمي في العديد من القضايا التحررية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
