بعدما وصلت الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة إلى أسوأ مستوياتها منذ بدء الحرب، ووسط الادعاءات الأميركية بأنّ إسرائيل تُحرز «تقدماً ملموساً» في ما يتعلق بإيصال المساعدات، وذلك لتبرير استمرار تمويل حليفتها وتسليحها، يبدو أنّ جيش الاحتلال الإسرائيلي «يبتدع» أساليب جديدة لقطع الإغاثة عن سكان القطاع. إذ يجري، منذ مدة، إطلاق يد مجموعات «اللصوص والمجرمين والعملاء»، والذين كان بعضهم، سابقاً، في سجون «حماس»، بهدف ترسيخ التفلت الأمني، وحرمان المدنيين من المواد الغذائية الأساسية، في ظلّ تواطؤ واضح من واشنطن وحلفاء تل أبيب الآخرين على الساحة العالمية. وخلصت مذكرة من «الأمم المتحدة»، الشهر الماضي، اطلعت عليها، أخيراً، صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية، إلى أنّ تلك المجموعات تستفيد من «تساهل» جيش الاحتلال، أو حتى «تواطئه»، لتنفيذ عملياتها على مرأى منه، في المناطق التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي ويقوم بـ»دوريات» منتظمة فيها؛ حتى إنّ واحداً من قادتها أنشأ ما هو أشبه بـ»مجمع عسكري» في إحدى هذه المناطق. ويلفت شهود عيان، استندت المذكرة إلى إفاداتهم، إلى أنّ العصابات مكونة من أفراد مناهضين لـ»حماس»، وكانوا ملاحَقين من عناصر الأمن التابعين للحركة في القطاع.
ومن جهته، يقرّ مسؤول أميركي، في حديث إلى الصحيفة، بأنّ التفلت الأمني بدأ في الظهور في شباط، عقب استهداف إسرائيل لعناصر الشرطة المدنية، والذين كانوا يحرسون القوافل الإنسانية، بذريعة انتمائهم إلى «حماس»، معترفاً، جنباً إلى جنب مراقبين آخرين، بأنّ الحركة لا علاقة لها بـ»نهب المساعدات». وبعدما أدى استهداف قوات الشرطة، في البداية، إلى تدافع عدد من المواطنين إلى القوافل، في محاولة لتأمين الطعام لأسرهم، سرعان ما دخلت العصابات إلى الخط، وبدأت «تقتل» سائقي شاحنات الإغاثة وتضربهم وتختطفهم، بعد عبورهم معبر كرم أبو سالم في رفح، ثمّ تسرق البضائع وتبيعها في السوق السوداء بأسعار خيالية. وعلى سبيل المثال، تُفيد المذكرة بأنّ السجائر أصبحت «عملة صعبة»؛ إذ وصل سعر علبة تحتوي على 20 سيجارة إلى حوالى 1000 دولار، وفقاً لجورجيوس بيتروبولوس، رئيس مكتب غزة في مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، الذي وصف تلك السلعة بـ»السرطان» الذي تسلل إلى «سلاسل التوريد». ويضيف: «السجائر التي كانت في الماضي مخبأة داخل المنتجات، يُعثر عليها الآن داخل معلبات الطعام، ما يعني أن التهريب يبدأ من المصانع، فيما من المرجح أن مصدر معظم المواد المهربة هو مصر».
حاول مقاتلو «حماس» «القضاء» على أبو شباب في عملية أسفرت عن مقتل 11 عنصراً في عصابته
وعليه، وطبقاً لمقابلات مع أكثر من 20 فرداً من ممثلي منظمات الإغاثة الدولية ورجال أعمال فلسطينيين متورطين في نقل البضائع وشهود على الهجمات على قوافل المساعدة الإنسانية، تحدث معظمهم شرط عدم الكشف عن هوياتهم، لتجنب تعريض وصولهم إلى غزة أو سلامة موظفيهم للخطر، فقد أصبحت عمليات النهب الإجرامية أكبر عائق أمام توزيع المساعدات في النصف الجنوبي من غزة، حيث نزح غالبية المواطنين الفلسطينيين، وسط عدم استجابة من قبل إسرائيل لاتخاذ إجراءات فعلية لاعتراض تلك العمليات. والسبت، وقعت واحدة من أكبر حوادث النهب في جنوب القطاع، بعدما سرق اللصوص نحو مئة شاحنة مساعدات، في ما وصفته «الأونروا» بأنّه «أحد أسوأ الحوادث» من نوعها. وقالت الوكالة، في حديث إلى شبكة «سي أن أن»، الإثنين، إنّ 97 شاحنة من أصل 109 «فُقدت»، بعد تعرضها لأعمال نهب، مشيرةً إلى أنّ السائقين أُجبروا على تفريغ الشاحنات عند نقطة تواجد المسلحين، فيما أصيب عمال الإغاثة والمركبات بـ»أضرار جسيمة»، واكتفى الجيش الإسرائيلي بالطلب من القافلة المغادرة فوراً «عبر طريق بديل غير معروف». وإذ لم تحدد الوكالة التابعة لـ»الأمم المتحدة» هوية مرتكبي أعمال النهب، فقد ألقت باللوم على «انهيار القانون والنظام» و»نهج السلطات الإسرائيلية»، والذي أسهم في خلق «بيئة محفوفة بالمخاطر».
قادة العصابات
وطبقاً للمذكرة نفسها، فإنّ أحد أكبر المسؤولين عن العصابات هو ياسر أبو شباب، من قبيلة الترابين التي تعيش في جنوب غزة وصحراء النقب المحتلة وشبه جزيرة سيناء المصرية، وهو يعدّ «الطرف الرئيس والأكثر نفوذاً وراء عمليات النهب الممنهجة والواسعة» لقوافل المساعدات، ويقود مجموعة مكونة من نحو «مئة بلطجي»، فيما نفى الأخير أي تورّط له في العمليات. ومن جهته، أفاد الصحافي الغزاوي، محمد شحادة، في منشور عبر «أكس»، بأنّ رجلاً يُدعى شادي الصوفي، وهو قاتل مطلوب وابن مخبر متعاون مع إسرائيل، وياسر أبو شباب، تاجر المخدرات، هما أميرا الحرب الرئيسان المسؤولان عن نهب معظم المساعدات، تحت حماية جيش الاحتلال. وطبقاً للمصدر نفسه، كانت محكمة في غزة قد أدانت الصوفي، قبل أن تلقي الشرطة المحلية القبض عليه في عملية خاصة في أواخر عام 2020. وفي وقت لاحق، خرج من السجن بمساعدة مسلحين مرتبطين بـ»داعش»، وتم تهريبه من غزة إلى سيناء، ثم إلى صحراء النقب، قبل أن يعود إلى غزة بعد ثلاثة أيام من بدء الغزو الإسرائيلي للقطاع. ويردف شحادة أنّ الصوفي متهَم بقتل جبر القيق، عضو الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (عام 2020)، والذي حكمت عليه إسرائيل بالسجن المؤبد وسجنته لمدة 15 عاماً لقتله والد الصوفي في «الانتفاضة الأولى»، بتهمة التجسس لمصلحة إسرائيل. أمّا أبو شباب، فاعتقلته الشرطة المحلية أكثر من مرة، بتهمة تهريب المخدرات والإتجار بها، والذي تسهله جماعات مرتبطة بـ»داعش» في سيناء؛ كما أنّ مقاتلي «حماس» حاولوا «القضاء عليه»، الإثنين، في عملية أسفرت عن مقتل 11 عنصراً من عصابته، من بينهم شقيقه، وشريك له، والمحاسب في العصابة، فيما أصيب ثلاثون آخرون في العملية.

