تدمير 206 مواقع أثرية: الإبادة الثقافية تطاول التاريخ الغزّي


غزة | سعى الاحتلال الإسرائيلي، خلال عام من حرب الإبادة الجماعية التي يشنها على قطاع غزة، إلى دفن الذاكرة، عبر استهدافه المعالم الأثرية والتاريخية على طول القطاع، سواء بسرقة بعضها أو تدمير البعض الآخر، ليصل عدد المعالم التي دمرها إلى 206. ويقول مصطفى النجار، مسؤول العلاقات العامة والإعلام في «وزارة السياحة والآثار» في غزة، إنّ القطاع «شهد عدداً من الحضارات التاريخية المتعاقبة، والتي تركت خلفها المئات من المعالم الأثرية والشواهد العمرانية لتؤكد على أصالة الشعب الفلسطيني وتاريخه العريق»، لافتاً، في حديثه إلى «الأخبار»، إلى أنه من بين تلك الحضارات القديمة التي مرت على قطاع غزة، الإغريقية والبيزنطية والكنعانية والفينيقية والإسلامية كالمملوكية والعثمانية و«التي جمعت بين العقائد والديانات المختلفة». ويفيد بأن الحرب الشرسة التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي منذ السابع من تشرين الأول 2023، أتت على أكثر من مئتي موقع أثري من أصل 325 معلماً في غزة، مشيراً إلى «تعرض بعض تلك المواقع لتدمير كلي، في حين تعرضت أخرى لضرر جزئي». ويضيف أن «ما لم يستطع الاحتلال أن يتحصّل عليه بالنهب من مواقع أثرية أو قطع تراثية، أقدم على استهدافه وتدميره»، في إشارة إلى الفيديو الذي بثه جنود الاحتلال وهم ينهبون القطع الأثرية من متحف «جامعة الإسراء» في وسط القطاع.
دمّر الاحتلال الكنيسة البيزنطية في شمال القطاع التي يعود تاريخ بنائها إلى عام 444
ومن بين المعالم الأثرية التي دمرها العدو، وفقاً للنجار، «البلدة القديمة وسط مدينة غزة والتي تشتمل على عدد من المواقع الأثرية، كسوق القيسارية (الذهب)، وسوق الزاوية الشعبي، وبيت الغصين الذي بني في القرن الثامن عشر، وسباط العلمي وبيت السقا واللذين بنيا في القرن السابع عشر الميلادي، والمسجد العمري الذي يعد من أكبر المساجد في مدينة غزة وأقدمها، حيث أنشئ قبل أكثر من 1400 عام، وكنيسة القديس برفيريوس، وهي ثالث أقدم كنيسة في العالم، ويعود تاريخ تأسيسها إلى القرن الخامس الميلادي، ويتلاحم برجها مع مئذنة المسجد التاريخي «كاتب ولاية»، وحمام السمرة الذي أنشئ في العهد العثماني، وقصر الباشا الذي أنشئ في عهد المماليك». وتُضاف إلى تلك المواقع المدمّرة أيضاً، «الكنيسة البيزنطية التي يعود تاريخ بنائها إلى 444 م، والمقبرة الرومانية والتي اكتشفت قبل الحرب الإسرائيلية على غزة بأشهر، بالإضافة إلى موقع تل أم عامر في منطقة النصيرات في الوسط، والذي أنشئ في القرن الثالث الميلادي، وتل زعرب الأثري وقلعة برقوق جنوبي القطاع».
وإذ يؤكد النجار أن الاحتلال الإسرائيلي «لا يألو جهداً في تدمير كل ما يمت إلى أصالة الشعب الفلسطيني بصلة، في محاولة منه لكسر حلقة الوصل ما بين حاضر الفلسطينيين وأصالتهم الممتدة والمتشابكة مع الحضارات السابقة، والتي تعاقبت على هذه الأرض»، فهو يبيّن أن العدو يهدف من وراء ذلك إلى «ترسيخ الرواية الصهيونية الوجودية له في هذه الأرض، مقابل طمس الهوية الفلسطينية، والقضاء على أي أثر يثبت الوجود الفلسطيني وينفي مزاعم إسرائيل التاريخية».
ومن جهته، يرى الخبير القانوني، صلاح عبد العاطي، أن استهداف الاحتلال للآثار والمعالم التاريخية الفلسطينية، يمثل «جريمة حرب وجزءاً من جريمة الإبادة الجماعية التي تهدف إلى محو الهوية الثقافية والتاريخية للفلسطينيين في قطاع غزة وضمان تدمير كل معالمها وجعلها منطقة غير صالحة للحياة». ويضيف، في حديثه إلى «الأخبار»، أن الاستهداف المشار إليه «يؤكد مضيّ دولة الاحتلال في مخططاتها لتجريف كل معالم الحياة الثقافية في القطاع، والتي كانت موجودة قبل قرابة 5000 عام قبل الميلاد، كما يدلّل على بشاعة جريمة الاحتلال الإبادية بحق كل المكونات في غزة، وخاصة السكان الذين يسعى إلى تهجيرهم والاستيطان مكانهم». ويصف عبد العاطي مشاهد سرقة جنود الاحتلال للقطع الأثرية بـ«الهمجية»، لافتاً إلى أن ذلك يشكّل «جريمة حرب يحاسب عليها القانون الدولي». ويُذكر بأنه من بين النصوص القانونية التي منعت المساس بالآثار التاريخية، ما تضمنته البروتوكولات الإضافية لـ«اتفاقية جنيف» الرابعة لعام 1977 في المادة الرقم 53 من البروتوكول الأول، والمادة الرقم 16 من البروتوكول الثاني، والتي تحظر ارتكاب أي أعمال عدائية موجّهة ضد الآثار التاريخية، أو الأعمال الفنية وأماكن العبادة التي تشكّل التراث الروحي للشعب.
وسبق أن حذر «المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان» من انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي للقواعد المتعلقة بحماية الإرث الثقافي في القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، ولا سيما «اتفاقيات جنيف» و«معاهدة لاهاي الدولية»، مشدداً على ضرورة تحرك المنظمات الدولية للحفاظ على ما أمكن من التراث والمعالم التاريخية وإعادة إعمارها.
