
دمشق | يرزح أكثر من ألفي مدني من أهالي بلدتَي نبل والزهراء، تحت خيارَي الموت جوعاً وعطشاً أو بنيران مسلّحي «هيئة تحرير الشام» (جبهة النصرة سابقاً)، ما لم يتمّ إجلاؤهم بشكل فوري من بلدة السفيرة، التي هُجروا إليها إثر سيطرة «الهيئة» على ريف حلب الشمالي، ومن ثم محافظة حلب بالكامل. وقطعت الطفلة آية الأبرص (14 عاماً)، على كرسيها المتحرك، أكثر من 60 كم من بلدتها الزهراء إلى السفيرة، ممضيةً ما يقارب إحدى عشر ساعة على الطريق، بعد أن خرجت وعائلتها من بيتهم من دون أن يتسنّ لهم توضيب أمتعتهم أو حتى الأدوية الخاصة بالطفلة. وليست آية سوى واحدة من ألفي شخص، تشرّدوا من منازلهم، وهاموا على وجوههم وسط غياب وسائل النقل.
ويقول عبد العزيز الأبرص (55)، لـ«الأخبار»: «منذ يوم الجمعة ونحن هنا في بلدة السفيرة من دون غذاء ولا ماء ولا كهرباء، نحن في العراء، خرجنا ونحن نحمل أرواحنا على أكفنا بعد دخول الإرهابيين إلى بلدتنا»، مناشداً «جميع المنظمات الدولية والإنسانية إجلاءهم بشكل آمن وفوري»، ومشيراً إلى أن «الأوضاع كارثية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لا سيما مع وفاة 5 أشخاص على الطريق بسبب البرد والمرض، من بينهم مريض بالسرطان». ويضيف أن «هناك الكثير من مرضى القلب والضغط والسكري، والذين يحتاجون إلى أدوية خاصة، كما ثمة حالات لأشخاص كانوا قد أجروا عمليات جراحية قبل خروجهم من المنطقة بأيام».
هُجر الأهالي إلى السفيرة إثر سيطرة «الهيئة» على ريف حلب الشمالي، ومن ثم محافظة حلب بالكامل
وانتشرت مقاطع مصورة لأطفال وهم يتناولون العشب من الأرض في منطقة السفيرة لعدم وجود الطعام. كما انتشرت أخرى لعشرات المواطنين الذين يفترشون أحد الأماكن الحجرية من دون أغطية، وسط صراخ الأطفال وبكاء النساء. «بدنا رحمة الله»؛ تقول والدة آية، فاطمة كنج (48 عاماً) لـ«الأخبار». وتضيف بصوت يتقطعه البكاء: «هل سنُترك بوجه المجهول، أين الإنسانية مما يحدث معنا؟». وبحسب الأهالي الذين تواصلت «الأخبار» معهم هاتفياً، فإنهم تواصلوا مع «الهلال الأحمر السوري» الذي أبدى استعداه لإجلائهم، لكن «هيئة تحرير الشام» رفضت السماح لعناصر «الهلال» بدخول المنطقة، بعد قطع الجماعات المسلحة الطريق الدولي الواصل إلى حلب، ومن ثم خروج طريق خناصر – أثريا عن الخدمة، بسبب حالات القنص التي يتعرض لها المدنيون هناك.
ولم تكمل الشابة فاطمة سلامة (25 عاماً) رحلتها إلى حلب لاستكمال التسجيل في درجة الماجستير؛ إذ قُبيل أن تحط أمتعتها في بيت العائلة في بلدتها نبل، جاءها خبر سيطرة المسلحين على أطراف القرية. وتروي فاطمة، لـ«الأخبار»، تفاصيل الرحلة من نبل إلى السفيرة، قائلةً: «لم أرَ من قبل مسيراً من أجل النجاة كما رأيت اليوم. إنه يوم في حياتي يعادل 14 سنة من الحرب التي عشناها حتى في أحلك ظروف الحصار. لم نشعر بالعجز يوماً كما نشعر اليوم». وبينما كانت الشابة تكمل حديثها، انقطع الاتصال معها، فيما خرج عن التغطية أيضاً نحو ألفي مدني، بسبب قطع شبكة الاتصال الخليوية عن حلب وريفها، إثر تخريب المسلحين أبراج شركتَي «سيرياتيل» و«إم تي إن».

