18 ألف غزّي عاطلون: هكذا عاقبت إسرائيل العمال
بدأ العمال الفلسطينيون الذين تعرّضوا لحملة اعتقالات شرسة، بعد 7 أكتوبر، من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي، رحلة مضنية في محاولة منهم لاسترداد حقوقهم المسلوبة عبر المسارات القانونية المحلية والدولية، متشبّثين بأمل الإنصاف رغم وعورة الطريق.


دير البلح | مع اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، أطلقت قوات الاحتلال الإسرائيلي حملة اعتقالات شرسة طاولت مئات العمال الفلسطينيين القادمين من غزة للعمل في الداخل المحتل، رغم امتلاك هؤلاء تصاريح قانونية تخوّلهم العمل هناك بشكل مشروع. ولم تكن تلك الاعتقالات مجرد إجراء أمني، بل هي جاءت مصحوبة بتحقيقات قاسية تفنّنت خلالها قوات الاحتلال في أساليب إذلال المعتقَلين جسدياً ونفسياً، فضلاً عن مصادرة كل ما يحملونه من أموال وممتلكات. وبعد أسابيع من الاحتجاز في ظروف قاسية، أُعيد هؤلاء العمال إلى غزة مُثقلين بالخسارة والخذلان، ليبدأوا رحلة مضنية في محاولة منهم لاسترداد حقوقهم المسلوبة عبر المسارات القانونية المحلية والدولية، متشبّثين بأمل الإنصاف رغم وعورة الطريق.
وفيما يبلغ عدد العمال الغزيين الذين فقدوا أعمالهم نحو 18 ألفاً، تشير التقديرات إلى أن خسائرهم تجاوزت مئات آلاف الشواكل، الأمر الذي دفعهم إلى التعاون مع مؤسسات حقوقية لتقديم دعاوى قضائية في المحاكم الإسرائيلية والدولية، للمطالبة باستعادة رواتبهم المصادرة وتعويضهم عن الأضرار التي لحقت بهم خلال فترة الاعتقال. أما العمال من الضفة الغربية، فقد تأثّروا بشكل مختلف؛ إذ مُنعوا من العمل في الداخل المحتل منذ أكثر من عام، ما أثّر على نحو 200 ألف منهم.
ومن بين العمال الغزيين، جمال أبو سالم، وهو عامل بناء من غزة، كان يجهّز نفسه ليوم معتاد في مدينة عسقلان المحتلة، في صباح 7 تشرين الأول، عندما اندلعت الحرب. ويقول أبو سالم ذو الـ47 عاماً: «استيقظت كالعادة في الخامسة والنصف صباحاً. حضّرت إفطاري وكنت مستعداً ليوم طويل في الورشة. فجأة، بدأ إطلاق النار والانفجارات. بعدها بساعات، اقتحمت قوات الاحتلال الورشة التي نعمل فيها واعتقلتنا»، لافتاً، في حديثه إلى «الأخبار»، إلى أنه صُدم من طريقة تعامل الجنود معهم، إذ «صادروا كل ما نملكه، من أموال وهواتف وحتى الطعام. كنت أحمل معي 7,000 شيكل، وهو أجر شهر كامل كنت أنوي إرساله إلى أسرتي، لكنهم أخذوه وعذّبوني واتّهموني بدعم المقاومة وعندما تأكدوا من أن كل اتهاماتهم ليست صحيحة، بعد أسابيع من الاحتجاز في ظروف لا إنسانية، أعادوني خالي الوفاض بلا أي أموال أو تعويض». ويضيف: «شعرت بالإهانة. عاد كل منا بلا شيء سوى ملابسنا التي كنا نرتديها. أحد زملائي كان يدّخر لشراء سيارة ليبدأ مشروعاً صغيراً، لكنه الآن غارق في الديون. كل ما نريده هو الإنصاف. هذه الأموال ليست صدقة، بل حق مشروع».
أما إبراهيم السرطاوي، وهو عامل في مجال التمديدات الكهربائية يبلغ من العمر 39 عاماً، فكان يعمل في الداخل المحتل عندما اندلعت الحرب. يقول السرطاوي، في حديثه إلى «الأخبار»، إنه «في الثامن من أكتوبر، جاء الجنود إلى مكان عملنا واعتقلونا. كنت أحمل معي 12,000 شيكل جمعتها بعد أسابيع من العمل الشاق. صادروا المال ومزّقوه أمام عيني، واحتجزوني لمدة شهر في ظروف قاسية. وبعد الإفراج عني، عدت إلى غزة لأجد أسرتي التي كانت تعتمد على دخلي كمصدر وحيد غارقةً في الديون». وإذ يشير إلى أنه قام بتوكيل محام من الداخل المحتل لرفع قضية في المحاكم الإسرائيلية بهدف الحصول على أمواله والتعويض عن الأضرار التي لحقت به، يتابع: «أعلم أن القضاء الإسرائيلي لن ينصفني ولكن هذه الخطوة تمهّد لتحويل القضية إلى المحاكم الدولية. ولكن نريد حقوقنا ولن نتوقف حتى نحصل عليها. هذه الأموال ليست فقط مصدر رزق، بل أمل عائلاتنا في حياة كريمة».
إزاء ما تقدّم، يؤكد المحامي الفلسطيني في الداخل المحتل، والمتخصّص في قضايا العمال، عيسى أبو شهاب، أن «لدينا ملفات لعشرات العمال الذين تعرضوا للاعتقال ومصادرة رواتبهم»، لافتاً، في حديثه إلى «الأخبار»، إلى أن «القضاء الإسرائيلي يتيح إمكانية المطالبة بهذه الحقوق، رغم صعوبة الحصول على تعويض من خلال المحاكم الإسرائيلية». ويوضح أن الدعاوى تشمل المطالبة باستعادة الأموال المصادرة، وتعويضات عن الأضرار النفسية والجسدية التي لحقت بالعمال خلال فترة الاعتقال»، مشيراً، في الوقت نفسه، إلى «مساعٍ لإجراء تحقيقات في الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها».
من جهته، يؤكّد الأمين العام لـ«اتحاد عمال فلسطين»، شاهر سعد، أن الاتحاد رفع شكاوى إلى «منظمة العمل الدولية» بشأن الانتهاكات الإسرائيلية، لافتاً، في حديثه إلى «الأخبار»، إلى أن «حرمان العمال الفلسطينيين من حقوقهم يمثّل جريمة قانونية وإنسانية. نحن نعمل مع منظمات دولية لضمان النظر في هذه الانتهاكات». ويشير إلى أن «الاتحاد» تلقّى شكاوى من مئات العمال تفيد بمصادرة رواتبهم، سواء من غزة أو الضفة الغربية، مؤكداً أن «الاتحاد يخطط لتكثيف الجهود القانونية والدبلوماسية فور انتهاء الحرب لضمان استرداد حقوق العمال وتعويضهم عن خسائرهم»، علماً أن «الحرب حرمت الاقتصاد الفلسطيني من أكثر من مليار و300 ألف شيكل شهرياً، وهو دخل العمال الفلسطينيين في الداخل المحتل بسبب إجراءات الأجهزة الأمنية الإسرائيلية المخالفة للقانون بحقهم».
-----
إنسرت:
حرمت الحرب الاقتصاد الفلسطيني من أكثر من مليار و300 ألف شيكل شهرياً
