رسائل تهدئة بين الشرع و«قسد»: شبح «الحرب الشاملة» لا يبتعد
لا يبدو نجاح المفاوضات المتصلة بالوضع في شمال شرق سوريا سهلاً، على الرغم من المساعي المحلية والأميركية – الفرنسية لإنجاحها، وذلك في ظل وجود العديد من الملفات العالقة.


لا يوحي حجم التعزيزات العسكرية وطبيعة المعارك الدائرة بين فصائل «الجيش الوطني» المدعوم من تركيا و»قسد»، في محيط سد تشرين وجسر قرقوزاق في ريف حلب الشمالي الشرقي، بوجود نية لدى أيّ طرف لتحقيق تقدم كاسح على حساب الآخر، ولا سيما وسط استمرار الجهود الديبلوماسية المحلية من جهة، وتلك الأميركية - الفرنسية المشتركة من جهة أخرى، والتي تهدف إلى إيجاد صيغة للتفاهم بين الطرفين، تنزع فتيل حرب جديدة في تلك البقعة الجغرافية من سوريا.
كذلك، على رغم معارك الكر والفر في ريف حلب الشمالي، والمناوشات التي حصلت بين «هيئة تحرير الشام» و»قسد» في أطراف مدينة دير الزور، إلا أن المؤشرات تدل على وجود فرص للمفاوضات، بما يمنع حصول أي اشتباكات مباشرة بين الطرفين. بيد أن نجاح هذه المفاوضات لا يبدو سهلاً، في ظل الإصرار التركي على تفكيك «وحدات الحماية» الكردية و»قسد»، ودمج عناصرها في الجيش السوري الجديد، جنباً إلى جنب وجود الكثير من القضايا التي ستتطلب تسويتها فترة طويلة، حتى في حال حصول تفاهمات أوّلية حول حل سياسي، من مثل ملفات المجالس المحلية والتعليم والطاقة والتجنيد الإلزامي المطبّق في مناطق «قسد».
ولعل من أبرز المؤشرات التي تعكس توجّه القيادة السورية الجديدة نحو الحوار، إعلان قائد «الإدارة الانتقالية» في سوريا، أحمد الشرع، في تصريحات إعلامية، وجود مفاوضات مع «قسد» لحل أزمة شمال شرق سوريا. وأشار الشرع إلى أنّ «الأكراد جزء لا يتجزأ من المكونات السورية»، وأن «وزارة الدفاع السورية ستضم القوات الكردية إلى صفوفها»، مؤكداً في الوقت نفسه أن «لا تقسيم لسوريا بأيّ شكل ولا فدرالية»، كما أنّه «لن يُسمح» بأن تكون الأراضي السورية «منصة لإطلاق هجمات (حزب العمال الكردستاني) في اتجاه تركيا». من جهتها، تلقفت «الإدارة الذاتية» تصريحات الشرع بـ»إيجابية»، مؤكدةً أنه يمكن «البناء عليها»، ولا سيما أنّ سوريا «تمرّ بفترة انتقالية، وإدارة العمليات بحاجة إلى وقت». وجدّدت «الذاتية» موقفها حول أنّ «(قسد) مستعدة للانخراط في الجيش السوري، ولأن تكون نواة له»، معربةً عن «أملها بإمكانية أن يتوصل السوريون إلى اتفاق، في ما بينهم، بعيداً عن الأجندات الخارجية».
تلقّت «قسد» نصائح أميركية - فرنسية بضرورة تحضير وفد جامع ولقاء قادة سوريا الجدد
على أنه في خضمّ الرسائل الإيجابية التي يتبادلها الطرفان، فليس هناك معلومات مؤكدة بعد عن وجود أي تواصل مباشر بينهما، على الرغم من أن تصريحات «قسد» تشير إلى رغبتها في حصول ذلك، بعدما أكدت، أخيراً، أنّها جاهزة لإرسال وفد لـ»بحث مستقبل المنطقة» بعد سقوط النظام في سوريا. وتواجه «قسد»، على ما يبدو، صعوبات في «توحيد الصف الكردي»، في ظل وجود تباين في وجهات النظر بين أحزاب «المجلس الوطني» وأحزاب «الإدارة الذاتية»، رغم الضمانات الفرنسية – الأميركية. وفي مؤشر إلى هذا التباين، أصدر «المجلس الوطني» الكردي بياناً جاء فيه أنّه «يعتبر بناء موقف كردي موحد خياراً استراتيجياً يعمل على تحقيقه، بما ينسجم مع حقوق الشعب الكردي وقضيته القومية، مع مراعاة تطورات المرحلة الراهنة»، وأنّ «عمل المجلس من أجل وحدة الموقف الكردي لا يتناقض مع عمله ضمن الائتلاف الوطني السوري ومع سائر القوى الوطنية، وبما يخدم تطلعات الشعب السوري».
في هذا الإطار، تؤكد مصادر ميدانية، لـ»الأخبار»، أن «(قسد) تلقّت نصائح أميركية - فرنسية بضرورة تحضير وفد جامع يضم الأكراد، بالإضافة إلى العرب والمسيحيين وبقية مكونات المنطقة، والتوجه إلى دمشق للقاء قادتها الجدد»، مضيفة أنّ واشنطن وباريس شددتا على «ضرورة العمل على ترحيل كلّ المقاتلين غير السوريين أو المحسوبين على (حزب العمال الكردستاني) من مناطق سيطرتها، لبعث رسائل طمأنة للجميع». وترى المصادر أنه «في حال تقديم (قسد) تنازلات تتعلق بملف إعلان فك الارتباط العلني بـ(حزب العمال)، والجاهزية للاندماج في الجيش السوري، فإن فرص الاتفاق مع دمشق ستكون مرتفعة»، مرجحة أيضاً أن «تطلب (قسد) من (هيئة تحرير الشام) دخول الأخيرة كقوات فصل بينها وبين الجيش التركي على مدن الشريط الحدودي، كإجراء حسن نية للرغبة بحل الملف سلمياً». وطبقاً للمصادر نفسها، فإنّ «قسد» ستجد أنّها «الخاسر الأكبر»، في حال قررت تركيا والحكومة السورية الجديدة «شن هجمات مشتركة ضدها»، مردفةً أنّ «الاكراد لا يعوّلون كثيراً على إدارة دونالد ترامب الجديدة، والتي من المرجح أن تقف بشكل واضح إلى جانب حليفتها تركيا». ورجحت المصادر أنّ «توافق (قسد) على فكرة حراسة مخيمات (داعش) وسجونها بشكل مشترك وبالتوافق مع الأميركيين، ضمن إجراءات بناء الثقة مع دمشق وأنقرة»، متابعة أنّ «(قسد) ستحاول تقديم أكبر تنازلات ممكنة لضمان عدم تحوّل مناطق سيطرتها إلى ساحة معركة جديدة، والحفاظ على أكبر مكاسب ممكنة».
وكان الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، قد جدّد تهديداته لـ»قسد» بإمكانية اللجوء إلى الخيار العسكري للقضاء عليها، مؤكداً أنّ أنقرة «ستستهلّ عام 2025 بخطوات جديدة لتعزيز أمن حدودها الجنوبية مع سوريا والعراق، والقضاء على التهديدات الإرهابية الخارجية». وكرّر «عزم بلاده على ضمان استقرار المنطقة من (حزب العمال الكردستاني) وامتداده في سوريا ووحدات (حماية الشعب) الكردية أو تنظيم (داعش)».
