
على وقع «عملية كدوميم»، والتي نُفّذت أولَ أمس، شهد اليومان الماضيان استنفاراً كبيراً لقوات الاحتلال في محيط موقع العملية، وسط الإعلان عن هجمات إضافية في الضفة الغربية. وخلّفت العملية التي هاجم فيها ثلاثة مقاومين فلسطينيين، حافلة ومركبات تقلّ إسرائيليين عند مدخل قرية الفندق وفي موقعين منفصلين على الشارع العام (شارع 55) الواصل بين مدينتي نابلس وقلقيلية، وأسفرت عن مقتل 3 إسرائيليين وجرح 7 آخرين، أصداء كبيرة في الأوساط الإسرائيلية، ودفعت قيادة العدو إلى التلويح بتنفيذ عملية عسكرية جديدة في شمال الضفة الغربية، بالإضافة إلى تسريع تنفيذ خطط فرض السيطرة على مناطق إضافية.
وفيما شكّلت العملية التي نُفذت قرب مستوطنة كدوميم (نسبة إلى قرية كفرقدوم المجاورة)، صفعة لجيش الاحتلال واختراقاً لمنظومته الأمنية والاستخبارية، فهي لم تكن منفصلة عن الوضع الأمني في الضفة عموماً، والذي يزداد غليانه يوماً بعد آخر، في ظل تصعيد الاحتلال عدوانه، إلى جانب الحملة العسكرية التي تواصل أجهزة أمن السلطة الفلسطينية تنفيذها منذ الشهر الماضي في مخيم جنين، والتي لم تفلح، حتى الآن، في تحقيق هدفها المتمثّل بإنهاء حالة المقاومة في المخيم.
وبعد دقائق من تنفيذ العملية صباح الإثنين، طوّقت قوات الاحتلال مكان وقوعها، محوّلة إياه إلى منطقة عسكرية مغلقة. كما شرعت في ملاحقة المنفّذين براً وجواً، وأغلقت الحواجز الثابتة المحيطة بالمكان ولا سيما تلك المؤدية إلى نابلس، والتي شدّدت أيضاً من إجراءاتها العسكرية عليها، فيما نصبت عشرات الحواجز المتحرّكة، وأطلقت العنان للمستوطنين ليهاجموا الفلسطينيين وينصبوا الكمائن لهم على الطرقات العامة ويعتدوا على مركباتهم، فضلاً عن مهاجمة القرى الفلسطينية شرقي قلقيلية وجنوبي نابلس، والاعتداء على سكانها وإحراق ممتلكاتهم.
تظهر المعطيات المتوافرة وجود تخطيط جيّد لعملية «كدوميم»
كذلك، خرج المستوطنون في مسيرات من المستوطنات القريبة من مكان العملية، بالتوازي مع تدفق قيادات الاحتلال، والذين توعدوا بالمزيد من الإجراءات العسكرية. ومن بين هؤلاء، رئيس مجلس مستوطنات شمال الضفة، يوسي دغان، الذي قال من مكان الهجوم إنه «لو كانت الحواجز مغلقة وهناك فحص لمن يخرج من نابلس، لم تقع العملية». وطالب الحكومة والجيش الإسرائيليين بـ«بدء مصادرة السلاح ومحاربة أبو مازن (الرئيس الفلسطيني محمود عباس) الذي يسمح بمثل هذه الأحداث، نحن نطالب بالأمن».
من جهته، دعا وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، أثناء لقائه قادة من المستوطنين، إلى توسيع نطاق عمليات جيش الاحتلال في الضفة، والانتقال من مرحلة «الدفاع إلى الهجوم وشن عمليات واسعة النطاق داخل أوكار المسلحين حتى اكتمال تدميرهم». كما دعا إلى ممارسة الإبادة الجماعية والتطهير العرقي بحق الفلسطينيين في مدينتي نابلس وجنين، على غرار ما يحدث في جباليا شمالي قطاع غزة؛ إذ قال إنه «يجب أن تكون فندق ونابلس وجنين مثل جباليا». أما وزير الأمن الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، فقال إن «العد التنازلي بدأ»، في إشارة إلى تكثيف العمليات ضد المقاومة الفلسطينية، في حين حذّر وزير «الأمن القومي»، إيتمار بن غفير، من أن «من يسعون لإنهاء الحرب في غزة سيحصلون على حرب في الضفة الغربية»، مشدداً على ضرورة اتخاذ «إجراءات قاسية» بحق الفلسطينيين.
وبحسب ما تناقلته وسائل الإعلام العبرية، تظهر المعطيات المتوافرة وجود تخطيط جيّد لعملية «كدوميم»؛ إذ يعكس نجاح المنفّذين في الوصول إلى مكان العملية - بين نابلس وقلقيلية حيث تنتشر نحو 20 مستوطنة وبؤرة استيطانية -، بسرية تامة، تخطيطاً دقيقاً لها، فيما يبيّن، في المقابل، قصوراً استخبارياً وميدانياً لدى أجهزة الاحتلال، رغم أنها كانت في ذروة استنفارها في الضفة، وأن اثنين من المنفّذين هما فلسطينيان معروفان لدى جهاز «الشاباك». وفي ظل حجم الإرباك الذي أحدثه الهجوم، سارع رئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو، مساء الإثنين، إلى إجراء «تقييم للوضع» بمشاركة المسؤولين العسكريين والأمنيين، ليصادق على «عمليات للقبض على المنفّذين وتقديمهم للعدالة، فضلاً عن سلسلة من العمليات الهجومية والدفاعية الإضافية في الضفة الغربية». كما ناقش اجتماع «الكابينت»، أمس، برئاسة نتنياهو، التطورات في الضفة، و«خطوات القضاء على الإرهاب» هناك، حسبما أعلن سموتريتش.

