تخفيف جزئي للعقوبات: واشنطن تمدّ يداً للشرع وتهدّد بأخرى
في خطوة تهدف إلى تقديم بعض الدعم للإدارة السورية الجديدة، أعلنت الولايات المتحدة الأميركية عن رخصة لمدة ستة أشهر تستثني فيها بعض العقوبات التي تفرضها على سوريا، والتي ركّزت، بشكل أساسي، على قطاع الخدمات.


في خطوة تهدف إلى تقديم بعض الدعم للإدارة السورية الجديدة، المرضيّ عنها جزئياً حتى الآن، أعلنت الولايات المتحدة الأميركية عن رخصة لمدة ستة أشهر تستثني فيها بعض العقوبات التي تفرضها على سوريا، والتي مدّدها الرئيس الأميركي جو بايدن حتى عام 2029، ضمن سلسلة القرارات التي قام باتخاذها قبل مغادرته البيت الأبيض في العشرين من الشهر الحالي. وركّزت الاستثناءات التي حملت الاسم «GL 24»، بشكل أساسي، على قطاع الخدمات، عبر السماح لمنظمات الإغاثة والشركات بتقديم الخدمات الأساسية إلى سوريا، مثل الكهرباء والمياه والصرف الصحي، من دون الحاجة إلى الحصول على موافقة لكل طلب على حدة. ويُضاف إلى ذلك، الترخيص بالمعاملات التي تدعم بيع أو توريد أو تخزين أو التبرّع بالطاقة، بما فيها البترول والغاز الطبيعي والكهرباء، داخل سوريا، فضلاً عن المعاملات اللازمة لمعالجة التحويلات الشخصية غير التجارية إلى سوريا، بما يشمل التحويلات عبر المصرف المركزي السوري.
من جهتها، أكّدت وزارة الخزانة الأميركية، في بيان، أن «الترخيص يستمر لمدة 6 أشهر، حيث ستواصل الولايات المتحدة مراقبة الوضع على الأرض»، في حين اعتبر نائب وزيرة الخزانة الأميركية، والي أدييمو، أن «نهاية حكم بشار الأسد الوحشي والقمعي، توفّر فرصة فريدة لسوريا وشعبها لإعادة البناء»، مضيفاً أنه «خلال الفترة الانتقالية، ستواصل وزارة الخزانة دعم المساعدات الإنسانية والحكم المسؤول في سوريا»، بحسب البيان نفسه. ويشابه الترخيص الأميركي الجديد ذلك الذي تم إصداره عقب الزلزال المدمّر الذي ضرب أجزاء من سوريا قبل نحو عامين، غير أنه جاء هذه المرة موجّهاً بشكل مباشر نحو الحكومة السورية، التي تجاوزها حينها وحصر الترخيص بالقطاعات الإغاثية. أيضاً، يضيف الترخيص بعض البنود التي تسمح بصيانة بعض البنى التحتية وتحسينها، ما يقدّم للإدارة السورية الجديدة دفعة يمكن من خلالها أن تحدث فرقاً قد يكون مقنعاً للشعب السوري الذي عانى على مدار السنوات الماضية من خنق اقتصادي متواصل طاول جميع مفاصل الحياة.
وجاء الترخيص الأميركي الجديد محدّداً وواضحاً، وهو يسمح بتعاملات محددة مع الإدارة السورية الجديدة، ويؤكد أنه لا يشمل القطاع العسكري أو الأمني، أو أي جانب مرتبط بإيران وروسيا؛ إذ ينصّ على أن العقوبات لا تزال سارية على أي معاملة تشمل كيانات عسكرية أو استخبارية سورية أو من يعملون لصالحها أو بالنيابة عنها، واستيراد النفط أو المنتجات النفطية السورية، وأي معاملة لصالح أو بالنيابة عن حكومة الاتحاد الروسي أو حكومة إيران، وأي معاملات تتعلق بتوفير السلع أو التكنولوجيا أو البرامج أو الأموال أو التمويل أو الخدمات ذات المنشأ الروسي أو الإيراني، والتحويلات المالية إلى أي شخص محظور بموجب عقوبات سابقة.
وسبقت إصدار الاستثناءات المشار إليها، لقاءات أميركية مكثّفة مع الإدارة السورية الجديدة التي يقودها أحمد الشرع، أبرزها اللقاء الذي أجرته نائبة وزير الخارجية الأميركية باربرا ليف، إلى جانب وساطات مكثّفة أجرتها قطر وتركيا، الشريكان الاستراتيجيان للشرع، حيث كان مأمولاً أن تثمر رفع العقوبات بشكل كامل. لكنّ واشنطن قررت تقديم تسهيلات مؤقتة، مع الحفاظ على العقوبات التي يمكن العودة إليها في حال لم تسِر الأمور في سوريا كما تريد.
وتعود العقوبات الأميركية على سوريا إلى ثمانينيات القرن الماضي، عندما صُنفت سوريا «دولة داعمة للإرهاب»، قبل أن تطبَّق قيود إضافية عليها عام 2004 وفق «قانون محاسبة سوريا واستعادة السيادة اللبنانية»، الأميركي. وفي عام 2011، زادت واشنطن من حدة تلك العقوبات لتصل إلى ذروتها عام 2019 عندما تم البدء بتطبيق قانون «قيصر» الذي يتيح معاقبة جهات أو دول تتعامل مع سوريا، ما تسبب بضغوط مضاعفة على الاقتصاد السوري الذي انهار خلال الحرب.
وخلال العام الماضي، حاولت دول عربية عديدة، ومنظمات أممية، التوسّط لرفع العقوبات عن سوريا في إطار مشروع كبير يهدف إلى فتح باب عودة اللاجئين إلى سوريا، ويتطلب بالتالي عمليات صيانة وإعمار للبنى التحتية، لكنّ الولايات المتحدة رفضت ذلك المشروع وقامت بعرقلته بشتى الطرق، قبل أن يسقط النظام، ويغادر رئيسه بشار الأسد إلى روسيا، ومن ثم تبدأ واشنطن جسّ نبض الإدارة الجديدة عبر هذه الاستثناءات المؤقتة.
