سيناريوات إسرائيلية لمستقبل سوريا: كيف نبقي تركيا صديقاً؟
قُبيل الانهيار الدرامي والسريع للنظام الحاكم في دمشق، ومع بدء الفصائل المسلّحة هجومها على حلب، ثم حماة وحمص، وقبل الوصول إلى دمشق، كانت القيادتان الأمنية والسياسية في تل أبيب، تعقدان اجتماعات متكرّرة طالت لساعات، لمتابعة تطوّرات تقدّم المعارضة.


قُبيل الانهيار الدرامي والسريع للنظام الحاكم في دمشق، ومع بدء الفصائل المسلّحة هجومها على حلب، ثم حماة وحمص، وقبل الوصول إلى دمشق، كانت القيادتان الأمنية والسياسية في تل أبيب، تعقدان اجتماعات متكرّرة طالت لساعات، لمتابعة تطوّرات تقدّم المعارضة، وتراجع الجيش السوري. ودفع تطور الأحداث، إسرائيل، إلى اتّخاذ خطوات سريعة أيضاً، بناءً على تحول الموقف الميداني والسياسي، لتجد قوات الاحتلال نفسها داخل الأراضي السورية، وعلى مشارف العاصمة، وتُمدِّد سيطرتها جنوباً نحو ريف درعا الغربي. وترافق التحرك العسكري البرّي، مع تكثيف للضربات الجوية على مواقع وثكنات الجيش السوري، والمخازن ومعامل الدفاع، ومنظّمات الرصد الراداري والسيطرة والتحكّم، في ما كان هدفه واضحاً: تجريد الجيش السوري، بنسخته السابقة، وكذلك اللاحقة المرتقبة، سواء كانت جيشاً نظامياً أو فصائل مسلّحة، من أي قدرات عسكرية استراتيجية تهدّد الكيان.
وتنطلق إسرائيل في ذلك من قواعد «الأمن القومي» للكيان، والميل الأصيل لدى الصهاينة إلى التوسّع، ومن دروس وعبر مختلفة، كانت خلاصتها أنه «لا أمان في الفوضى، وإن كانت موجّهة ضد الأعداء». ومن جهة أخرى، رأت تل أبيب أن خلف الجموع المتقدّمة إلى دمشق، كل من تركيا وقطر، مع ما تحمله العلاقة الإسرائيلية بهاتين الدولتين من تقلّبات وتبدّلات، لم تتحوّل الى عداء كامل يوماً، إنما لم تكن سِمَتها الاستقرار والنماء في غالبية الأوقات. وفي النهاية، وإذ كان أي فراغ لا بدّ له من أن يمتلئ، فإن تركيا وقطر، برأي إسرائيل، تملآن، بخطوات سريعة، وبأداة «الإدارة الجديدة»، الفراغ الذي تركه انهيار النظام وخروج إيران وحلفائها من سوريا.
وبحسب مقالة كتبها المستشرق والمؤرّخ الإسرائيلي، والمختصّ في دراسة تاريخ السلطنة العثمانية، درور زئيفي، في صحيفة «هآرتس»، فإن في الشرق الأوسط «ثلاثة أحلام كبيرة تتصارع في ما بينها»، وهي:
- حلم إيران وحزب الله وحلفائهما في «محور المقاومة».
- الحلم المشترك لرئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو، ورئيس الإمارات محمد بن زايد؛ وهو تحالف كبير بقيادة مشتركة بين إسرائيل والسعودية والإمارات والدول العربية المعتدلة، برعاية أميركية. ويهدف هذا التحالف إلى صدّ المحور الإيراني، وبناء «قاعدة أمنية واقتصادية مشتركة».
- حلم الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، وأمير قطر تميم بن حمد، وأحمد الشرع، الحاكم الجديد لدمشق. وهذا الحلم، بحسب زئيفي، هو «فرض الإسلام السياسي السنّي، الذي جناحه المعتدل هو حزب العدالة والتنمية في تركيا، وجناحه المتطرّف ينتمي إلى القاعدة والتنظيمات الجهادية».
تقسيم سوريا إلى «كانتونات» سيكون وسيلة لمواجهة التوسّع التركي
ويرى المؤرّخ الإسرائيلي أن هذه الأحلام الثلاثة مختلفة عن بعضها كلياً، كما أن «نجاح تركيا في إسقاط نظام الأسد وطرد الميليشيات الشيعية سيستدعي مواجهة مباشرة مع إيران»، خصوصاً إذا ما أُضيف إلى توتّرات سابقة بين أنقرة وطهران، على خلفية الدعم التركي - الإسرائيلي المشترك لأذربيجان. لذلك، يرى زئيفي أن «هذا الوضع يخلق تقارباً محتملاً بين حلم تركيا – قطر، وحلم إسرائيل – الإمارات، رغم التوتّر القائم حول القضية الفلسطينية وقضية الأكراد». وعليه، فإن «من بين المصالح المشتركة بين إسرائيل وتركيا، الحاجة إلى استقرار النظام الجديد في سوريا». ويعتقد زئيفي أنه «إذا توقّفت الحرب في غزة، وتم التوصّل الى صيغة للبدء في عملية سياسية في القطاع والضفة الغربية، فمن المرجّح رؤية ازدهار معيّن في العلاقة بين تركيا وإسرائيل».
مع ذلك، يستمر الإسرائيليون في تحريض الأميركيين، وخصوصاً الرئيس المنتخب دونالد ترامب، على الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، إذ يقول الجنرال عاميت ياغور، في صحيفة «معاريف»، إنه «من الممكن جداً أن خطط إردوغان العامة هي إحياء حلم تركيا الكبير، وتحويل تركيا إلى مركز لتسويق الغاز إلى أوروبا (في هذه الأثناء، وقّعت ألمانيا اتفاقاً للتزود بالغاز السائل مع قطر)، وسينطلق أنبوب الغاز من قطر، ويعبر الأراضي البرّية السورية إلى تركيا. وهذه نقطة مهمة يجب أن تثير اهتمام ترامب؛ فالخط البرّي الجديد الذي سينشأ سينافس الرؤية الاقتصادية للولايات المتحدة، أي الخط البرّي من الشرق عبر الإمارات والسعودية، والذي يمرّ بإسرائيل، ومن هناك إلى أوروبا». ويرى الجنرال الإسرائيلي أنه في مواجهة كل هذه التطوّرات، تقف إسرائيل أمام خيارين:
- الأول، معارضة الحكم الجديد في دمشق، والتعامل معه بصفته «ذئباً في ثياب حَمَل» يتبنّى أيديولوجيا إسلامية سنّية متطرّفة ويرتدي قناعاً مؤقتاً للحصول على الشرعية الدولية؛ ما يعني أنه سينشأ في سوريا، «محور إسلامي سنّي» متطرّف، يحظى بحماية وتأييد عسكريَيْن من الجيش التركي، ومع مرور الزمن سيتحدى إسرائيل على حدودها (بحراً وبراً وجواً).
- الثاني، الاعتراف بالحُكم الجديد، بهدف التأثير في الصورة المستقبلية لسوريا كجزء من نظام إقليمي جديد، ومن أجل قطْع الطريق على قيام «إردوغستان».
ويخلص الجنرال إلى أن «الخيارين مثيران للقلق، لكنهما أفضل من التحدّي اليومي الذي كانت تمثّله إيران في سوريا، من دون الحديث عن حزب الله في لبنان كقوّة عسكرية مهمة». لكن يعود ياغور ليستدرك بوجود خيار ثالث، وهو «إنشاء نظام جديد في الشرق الأوسط يتلاءم مع مصالح إسرائيل البعيدة المدى، والأداة الأساسية هي أداة مدنية وليست عسكرية؛ هي التسلّل والقيادة والهيمنة، من خلال ملف إعادة الإعمار (الذي سيحدث سواء شئنا أم أبينا)».
وإذا كانت العلاقات التركية - الإسرائيلية، مصيرها الوحيد هو المزيد من التأزيم وصولاً إلى المواجهة، بحسب البعض، يرى المحامي والخبير العسكري الإسرائيلي، رامي سيمني، في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، أن «تقسيم سوريا إلى كانتونات، سيكون وسيلة لمواجهة التوسّع التركي». ويشرح سيمني أن «سوريا لم تكن يوماً دولة موحّدة أو قومية، وأن تقسيمها هو الحل الأكثر انسجاماً مع الواقع الديموغرافي (...) ويمكن دعم الكانتونات المختلفة مثل الدروز والأكراد»، الذين يُنظر إليهم «كحلفاء تاريخيين لإسرائيل، ودعم استقلالهم سيعزّز الضغط على تركيا». ويرى سيمني أن «على إسرائيل أن تجعل سوريا تختفي (...) وبدلاً منها تنشأ كانتونات، فتعمّق إسرائيل نفوذها داخل الكانتون الدرزي الذي يسعى للاتصال بنا - ليس من خلال الضمّ، ولكن من خلال حكم ذاتي يتلقّى الحماية من إسرائيل -». كذلك، «يجب على إسرائيل أن تتخلّى عن سياسة إخفاء علاقاتها مع الأكراد. الأكراد هم أصدقاء قدامى لإسرائيل، ولهم علاقات تاريخية عميقة معنا (...) وتشجيع إقامة كانتون أو حكم ذاتي أو دولة كردية على حدود تركيا سيسبّب مشاكل لإردوغان».
