الجيش يستعيد ود مدني: نقطة تحوّل

الخرطوم | تمكّن الجيش السوداني، أولَ أمس، من بسط سيطرته على مدينة ود مدني، عاصمة ولاية الجزيرة الواقعة في وسط السودان، بعد أن ظلت المدينة تحت سيطرة «قوات الدعم السريع» لمدة عام كامل. ويجيء ذلك بعد سلسلة من المعارك التي خاضها الجيش في ثلاثة محاور (جنوب وشرق وغرب ولاية الجزيرة)، ومكّنته من إحكام السيطرة، أخيراً، على عدد كبير من القرى والمناطق المحاذية لود مدني من الجهات الثلاث، إثر قطع خطوط إمداد قوات «الدعم السريع» المتواجدة داخل المدينة. وفي هذا الإطار، اعتبر عدد من الخبراء معركة مدينة ود مدني - وهي ثاني أكبر مدينة من حيث الكثافة السكانية بعد الخرطوم -، نقطةً فاصلة في سير الحرب في السودان، نظراً إلى موقع المدينة الاستراتيجي وسط البلاد، باعتبارها بوابة جنوبية للخرطوم، وتربط بين خمس ولايات، وتُعدّ مورداً اقتصادياً زراعياً مهماً لأنحاء السودان كافة. وعلاوة على أن سيطرة الجيش على المدينة تعني قطع الإمداد البشري والعسكري الذي ظلّ يصل إلى «الدعم السريع» من دون انقطاع، من غرب السودان، منذ اندلاع الحرب في منتصف نيسان/ أبريل 2023، فإن تلك السيطرة تعني أيضاً عزل قوات «الدعم» المتواجدة في كل المناطق شمال ود مدني، بما فيها العاصمة الخرطوم.
وفي أعقاب إعلانه دخول ود مدني، أكّد الجيش، الذي يقوده عبد الفتاح البرهان، أنه «يعمل الآن على تطهير جيوب المتمردين داخل المدينة»، مؤكدة عزمه «التقدم» في كل المحاور، فيما قال البرهان إن «عهد القوات المسلحة هو استرداد وتطهير كل شبر دنّسته ميليشيا آل دقلو ومرتزقتها»، بحسب تعبيره. وفي المقابل، أقرّ قائد «الدعم السريع»، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، في تسجيل صوتي، بفقد قواته السيطرة على مدينة ود مدني، معتبراً، في الوقت نفسه، أن خسارة معركة لا تعني خسارة الحرب. وأضاف أن «قوات الدعم السريع ظلّت تقاتل 21 شهراً وعلى استعداد للقتال 21 عاماً»، عازياً الهزيمة التي لحقت بقواته إلى استعانة الجيش السوداني بالمُسيّرات الإيرانية، وبقوات من «قومية التيغراي» الإثيوبية التي قاتلتها قواته «ثلاثة أيام قرب مدينة ود مدني»، متابعاً أنه «يمتلك أدلة على ذلك كمقتل قائد المجموعة في معركة مدينة الدندر جنوب شرق السودان»، على حدّ قوله.
وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه الساحة السياسية طرح مبادرة جديدة للحل السلمي والتوسط بين الحكومة السودانية ودولة الإمارات، على اعتبار أن الأخيرة داعم رئيسي لـ«الدعم السريع» حسب الدلائل التي دفع بها السودان إلى مجلس الأمن، وهو ما جعل عدداً من المراقبين يرجّحون قبول الحكومة بالجلوس إلى طاولة التفاوض، ولا سيما بعد تقدمها على الأرض. وفي هذا السياق، يرى مصدر دبلوماسي، في حديثه إلى «الأخبار»، أن «معركة ود مدني تُعتبر ضربة قاضية لـ»الدعم السريع»، ومن شأنها التأثير على قدرتها الهجومية على مناطق جديدة»، لافتاً إلى أن «استعادة ود مدني تخدم الناحية العسكرية والتفاوض في حال وجِد، نظراً إلى أن الطرف المنتصر الذي يحقق نصراً عسكرياً ملموساً يستطيع فرض شروطه على طاولة التفاوض». ويشير المصدر إلى أن «استرداد ود مدني له انعكاسات على القوى المدنية السودانية التي ظلّت تدعم «الدعم السريع» سياسياً، وتعوّل على فشل الجيش في استعادة المدينة الاستراتيجية، فضلاً عن الكفيل الإقليمي، أي الإمارات، التي من الممكن أن تعيد النظر في دعمها اللامحدود للميليشيا بالعتاد العسكري الذي يقدّر بمليارات الدولارات».
وفي أعقاب استعادة ود مدني، تصاعدت وتيرة المعارك التي يخوضها الجيش ضد «الدعم السريع»؛ إذ فرض الأول حصاراً على مصفاة تكرير النفط شمال العاصمة الخرطوم، بعد أن تقدّم جنود «الفرقة الثالثة شندي» جنوباً ناحية المصفاة التي تُعتبر معقلاً رئيسياً لـ«الدعم»، منذ اندلاع الحرب. وفي الوقت نفسه، تقدّم جنود «حامية الكدرو» العسكرية، شمال الخرطوم، حيث أعادوا بسط سيطرتهم على عدد من القرى الواقعة شمال الخرطوم، في الطريق نحو تطويق المصفاة من اتجاه الجنوب. ويعتبر مراقبون أن استعادة هذا المرفق تعني فعلياً نهاية «الدعم السريع» في الخرطوم، وهو ما ذهب إليه اللواء المتقاعد في الجيش، أسامة محمد أحمد، في حديثه إلى «الأخبار»، معتبراً أن «الانتصار الذي حقّقه الجيش في ود مدني هو مقدمة لانتصارات قادمة ستشهدها كل المحاور، مقابل تراجع الميليشيا»، على حد وصفه. ويضيف أن ود مدني «تُعتبر آخر معقل لـ»الدعم» في وسط السودان، بعد أن تم دحرها من سنار وسنجة والدندر، وبالتالي تقلّصت الرقعة الجغرافية التي تسيطر عليها الميليشيا، التي تشهد فرار أعداد كبيرة من منسوبيها في قرى الجزيرة».
ويعزو محمد أحمد ما وصفه بـ«انهيار الميليشيا» إلى «تقطيع أوصالها عن طريق الطيران والمدفعية الاستراتيجية ومنع خطوط الإمداد عنها». وإذ يلفت إلى أن الجيش «نجح في سحق قوات الدعم»، فهو يتوقع أن يواصل «تقدمه في اتجاه الخرطوم بهدف تقليل الفترة الزمنية لتحريرها»، مضيفاً أن «قوات الجيش التي دخلت ود مدني قوات ضخمة، ولا يحتاج إليها كلها في عملية تأمين المدينة». كما يستبعد وجود أي نوع من الصفقات وراء التطورات الأخيرة، معتبراً أنه «كلّما تقدم الجيش على الأرض قلّت احتمالات التفاوض»، مضيفاً أن «السلطات لم تفصح عن المبادرة التركية التي تقدّم بها الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، للتوسط بين السودان والإمارات، وبالتالي لا حديث الآن غير صوت البنادق».

