من «توهين العزيمة» إلى «بخس النصر»: زمن «الشبيحة» (لا) ينتهي
رُفع في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، شعار "من يحرّر يقرّر"، إلا أنه صار يقسم السوريين المعارضين للأسد، مع محاولة أنصار بعض الفصائل استبعاد معارضين آخرين دفعوا ثمناً لمعارضتهم، ما حدا بهؤلاء إلى الشكوى من "تشبيح" على نمط ما كان سائداً في السابق.


«من يحرّر يقرّر»؛ عبارة يَكثر استخدامها في سوريا منذ سقوط نظام الرئيس السابق، بشار الأسد، وينقسم حولها السوريون، لكن ليس بين موالاة ومعارضة كما في السابق، وإنما بين فصيل معارض وآخر، وفقاً لرصيد «التضحيات» في سنوات الحرب الممتدة من 2011 حتى 2025. وعليه، فإن المشاركة في التظاهرات السابقة المناهضة للنظام، وتوزيع المناشير في الجامعات والفعاليات، لا يؤهلان صاحبهما، بحسب البعض، للانضمام إلى «المحرّرين الجدد»، وأخْذ مكان في «الاحتفالات الوطنية»، وإبداء رأي في ما يجري من تطورات على الساحة. ويَظهر هذا الانقسام جلياً في مواقع التواصل الاجتماعي، التي لا يرحم المعارضون (السابقون) فيها أحداً، ويكادون يرفضون كل ما يأتي من غيرهم حتى لو كان تمجيداً لـ«الثورة ومنجزاتها»، على قاعدة: «ماذا قدّمتَ للثورة لتتحدّث عن نفسك بلغة المنتصر؟». وبعد هذا السؤال، تستعر الحرب الكلامية التي لا تنتهي إلا بعد عشرات التعليقات.
هكذا، بات كثير من السوريين يشعرون بأن روح النظام السابق لا تزال تسكن أجواء سوريا، وأن «التشبيح»، على ما يبدو، ليس حكراً على طرف واحد، بل يبدو أنه «أسلوب حياة»، وشكل من أشكال التعبير عن الرأي في البلاد، بحسب الطبيب محمد الشيح المقيم في ألمانيا منذ عام 2013، وهو من أهالي محافظة ريف دمشق، وقد غادر سوريا بعد تعرّضه لمضايقات من قبل قوات النظام السابق، لخروجه في تظاهرات منادية بإسقاط النظام آنذاك، وانتقاده الأوضاع الداخلية وقتها. ويؤكد الشيح، في حديث إلى «الأخبار»، أنّه يعتبر نفسه من الأشخاص الذين دفعوا ثمن مواقفهم السياسية، وتغيّرت حياتهم بعد السفر إلى الخارج، كما حُرم من رؤية عائلته لمدة 12 عاماً، بسبب منعه من دخول البلاد، لكنه فوجئ بردود الفعل على منشور كتبه عبر «فيسبوك» دعا فيه إلى إشراك جميع النخب السورية في إدارة البلاد. ويوضح أن بعض المعلقين على منشوره سألوه عن الصفة التي يطرح بموجبها مقترحاته «على القيادة العامة للإدارة وهي الأخبر بمصلحة الشعب والبلد، فمن جلس في ألمانيا طوال سنوات الحرب متنعّماً بالكهرباء والماء، بينما كانت الفصائل المسلحة تواجه نظام الأسد في العراء، لا يجب إشراكه في تقرير المصير».
كثُر من السوريين باتوا يشعرون بأن روح النظام السابق لا تزال تسكن أجواء سوريا
ولا يقتصر الأمر على استعراض ما قدّمه كل طرف من أطراف الانتفاضة السورية في السنوات السابقة، بل يتعدّى ذلك إلى حدود التخوين في كثير من الحالات، وفقاً لتجربة عبد الغني ميداني، ابن مدينة دمشق، والذي لم تساعده أوضاعه المادية على السفر إلى خارج البلاد، والآن بعد سقوط النظام، بات أصدقاؤه يشيرون إليه عندما يأتي ذكر «المتخاذلين». ويقول ميداني، لـ«الأخبار»، إنّه تحمّل ما لم يتحمّله زملاؤه الذين غاردوا سوريا بسبب مواقفهم السياسية، وعملوا كناشطين من الخارج، «لأن الحياة في سوريا في ظل النظام السابق كانت صعبة، ومليئة بالقيود الأمنية والاقتصادية، بشكل يشلّ الحركة ويجعلها لا تتعدّى مساحة ضيقة لقضاء الحوائج فقط»، متسائلاً: «ألا يُعد تحمّل الذل والجوع نضالاً بالنسبة إلى المحرِرين الجدد؟».
ومع أنّ المشهد العام في سوريا يوحي بحرية التعبير عن الرأي، لكنه في الباطن ليس كذلك، لأن الرأي الناقد لـ«هيئة تحرير الشام»، أو لمرحلة ما بعد سقوط النظام من الناحية الاقتصادية على سبيل المثال، سيضع صاحبه تلقائياً في خانة «الموهنين لعزيمة الأمة» أو «بخس النصر الكبير»، في ما يعيد إلى الذاكرة كليشيهات «شبيحة» النظام السابق، والذين كانوا يلصقون هذه التهم بمن يهاجم السلطة أو يعترض على ممارسات الأفرع الأمنية، أو يسخر من قانون ما في البلاد. وهذا ما يدفع الكثير من السوريين اليوم إلى التساؤل: «هل زرع النظام السابق خصلة التشبيح في نفوس السوريين جميعاً، ومن تجتمع بيده السلطة، يهرع إلى ممارستها ضد باقي فئات المجتمع؟».
