ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

ثنائية الإنجاز والحذر في سلوكيات نتنياهو

فلسطين
حفظ المقالة

في سلوكياته القتالية، وفي التعامل مع الخصم أو العدو، يتبع نتنياهو تكتيكاً متميّزا يجعله في حالة دائمة من الترقّب والتيقّظ والحذر والاستعداد.

فاطمة بري
فاطمة بري
الجمعة 28 آذار 2025
(أ ف ب)
(أ ف ب)
الخط

إذا كان نتنياهو يمثل رأس السلطة السياسية في الكيان الصهيوني فإن سلوكياته تمثّل- بجزءٍ أو آخر- توجّهات هذا الكيان وميوله في العمل السياسي والعسكري. هذه المقالة تسلّط الضوء على ثنائية «الإنجازات والحذر» التي تتناقض مع المفهوم الشائع، للانفعال الناتج عن تحقيق الإنجاز، وهو يتراوح غالبًا بين الفرح ونشوة الفوز والراحة الكبيرة. لكن نتنياهو لا يستطيع الخروج من توازن الإنجاز والحذر، مع الإشارة إلى أن الموضوع يتعلّق بالسلوكيات التي تراكمت بعد 7 أكتوبر 2023 ولا يقارب ما قبل هذا التاريخ.

المشاعر المتناقضة: إنجاز وحذر

في سلوكياته القتالية، وفي التعامل مع الخصم أو العدو، يتبع نتنياهو تكتيكًا متميّزا يجعله في حالة دائمة من الترقّب والتيقّظ والحذر والاستعداد، على الرغم من الإنجازات الميدانية التي يكون قد حقّقها، لكنه لا يكتفي بما حقق ولا يبدي مشاعر الاطمئنان، فعينه دائمًا على المزيد والمزيد.

من الشائع والمألوف أن الإنسان حين يحقّق هدفًا كان يصبو إليه، أو تعِبَ في سبيله، أن يحتفي بإنجازه من خلال مشاعر الفرح أو الراحة الجسدية والمعنوية. كثيرون مثلًا، عندما ينالون مرتبة علمية معينة، يمنحون أنفسهم فترات تعويضية خالية من الدرس أو السعي للتحصيل. وخلال الحروب والمعارك يلجأ المنتصر عادة إلى قطف النتائج، فيخلد لراحة مؤقتة، أو ينشغل بخطط مستقبلية، أو ينتهي حيثما انتصر، على اعتبار أنه بلغ الهدف وحقّق المطلوب. وربما كانت حال المنهزم نقيض ذلك، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار سعيه لتعويض الهزيمة. يخطر على البال هنا مباشرة، واقع المجتمع الياباني بعد الحرب العالمية الثانية، التي انتهت بإلقاء قنبلتين ذَرّيتين على هيروشيما وناكازاكي، ما جعل المجتمع الياباني يسعى ويفكر ويعمل للنهوض والتعويض.

يُلاحظ هنا، أن أميركا بعد انتصارها في الحرب العالمية الثانية لم تخلد للراحة أو الاكتفاء بما حققته، بل بدأت مرحلة جديدة من محاولات السيطرة على العالم، واستعمار الشعوب الضعيفة، إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه من العتوّ والتجبّر والقوة. هذا بالضبط ما فعله نتنياهو وما زال يفعله منذ 7 أكتوبر 2023.

إنجازات تصاعدية متمهّلة

في بدايات حرب طوفان الأقصى بدأ نتنياهو بالغارات الجوية على قطاع غزة، حيث تتوفّر له -عادة- كل الإمكانيات القتالية المساعِدة بسبب التفوق في العدة والعتاد والتقنيات. وعلى الرغم من الضربات القوية التي حقّقها، والتهجير الذي بدأ فيه والمجازر المتفرّقة، إلّا أنه لم يبلغ مستوى الرضا عن «إنجازاته»، هذا الشعور يقوده دائمًا لطلب المزيد من تنفيذ العمليات، لذلك تدرّجت الحرب على غزة من الغارات، إلى الدخول البري للغلاف الشمالي، ثم إلى شطر القطاع إلى قسمين وإقامة منطقة عازلة في الوسط، ثم إلى استهداف الجنوب، بحيث لم يتبقّ أي مكان آمن.

وعندما كان كثيرون يتحدثون عن نهاية الحرب والاكتفاء بما حصل، بدأ نتنياهو يتحدث عن «رفح» وخُطط إفراغها والهجوم عليها. بدا الأمر رؤية أمنية وعسكرية بعيدة المدى، قامت القوى الإقليمية بما فيها أميركا وأوروبا، وعلى مدى أسابيع، بالتحذير الشديد من عواقب التفكير باحتلال «رفح» أو الاقتراب من جغرافيتها، البعيدة عن حدود المستوطنات، لكن نتنياهو لم يعر التفافًا لأحد، سعى وعمل وحوّل كلامه إلى وقائع. اجتاح «رفح» ودمّرها بالكامل وهجّر أهاليها، وعلى الرغم من ذلك لم يكتمل إحساسه بالإنجاز.

بعد قضم «رفح» وضع عينه على خط فيلادلفيا والحدود المتداخلة مع مصر، وعلى الرغم من تحذيرات العالم كله، وزيارات الوفود الديبلوماسية والأممية والإنسانية، ضرب نتنياهو بالجميع عرض الحائط وسيطر على خط فيلادلفيا (14 كلم) وأمسك بالحدود. فهل اكتفى من الشعور بتحقيق الإنجاز؟ لا يبدو الأمر كذلك. فما هي الأسباب الكامنة وراء هذه السلوكيات؟

استنادًا إلى تحليل شخصية نتنياهو وتحليل أفعاله ومواقفه وخطاباته، يظهر أنه يتحرّك وفقًا لدافعين أساسين وبارزين، هما:

1. طبيعة التفكير الاستيطاني الذي يسيطر على دماغه ويتحكّم به.

2. السعي نحو تحقيق الذات.

1- طبيعة التفكير الاستيطاني الذي يسيطر على دماغ نتنياهو ويتحكّم به:

إن نتنياهو مسكون منذ طفولته، ولأسباب تربوية متعلّقة بتنشئته وظروفه العائلية، بهواجس الاستيلاء على الأرض وطرد الفلسطينيين بشكل دائم، ومسكون أيضًا بالقوّة والعنف والتهديد والتخويف، وبفكرة حتمية الكيان الممتد من البحر إلى النهر. وقبل الانتهاء من تحقيق كل هذه الأهداف لن يشعر باكتمال الإنجاز، وسيبقى محافظًا على الحذر والتيقّظ والترقّب. هذا التسلسل في وضع الأهداف هو الذي يفسر السلوك القتالي المتصاعد الذي اتبعه بعد 7 أكتوبر 2023، حتى وصل في بدايات العام 2025 إلى مرحلة تصفية الوجود الفلسطيني في غزة ومخيمات الضفة.

بعد عام ونصف على الحرب يبدو التدرّج القتالي على الشكل التالي:

من شمال غزة - وسط غزة - جنوب غزة - رفح - فيلادلفيا - مخيم جنين - مخيم طولكرم - إنشاء وكالة الهجرة الطوعية للفلسطينيين - ؟؟؟؟

وبعد عام ونصف على الحرب حقّق التفكير الاستيطاني ما يلي:

- إبادة حوالي مائة ألف فلسطيني.

- تهجير مليون ونصف غزاوي.

- جعل غزة منطقة غير قابلة للحياة بسبب التدمير الكلّي للبنى التحتية والمباني والطرقات والمدارس والمشافي والمؤسسات.

- خلق طبقة من المعوّقين حركيًا وجسديًا ونفسيًا تقارب المئة ألف وربما تزيد.

- انعدام أي مصدر للحياة أو الدخل الاقتصادي.

- الوصول إلى الدرجة الأولى من سلّم الحلم الصهيوني وهي فتح باب الهجرة الطوعية للفلسطينيين بهدف إفراغ الأرض من أهلها.

هذا النمط من طبيعة التفكير التوسّعي يجعل صاحبه لا يشعر بالاطمئنان، لأنه كلما أنهى مرحلة عليه أن يعمل من جديد للوصول إلى مرحلة أخرى، وهذا بالتحديد من رأيناه من خلال سلوكيات نتنياهو منذ 7 أكتوبر، سواء في فلسطين أو في لبنان.

في خضمّ الاحتفاء بأي إنجاز عسكري أو سياسي، كان على نتنياهو أن يكرر تعبيره الدائم «نستعد لسيناريوهات وتحديات في ميادين أخرى، أمام كل ما يمثّل تهديدا بالنسبة لنا»، فالحرب بالنسبة له معارك كثيرة ومستمرة ودائمة، وإذا حقّق إنجازات في معارك معينة فهذا لا يعني بالنسبة له انه وصل إلى شاطئ الأمان وهذا أحد أسرار ثنائية الإنجاز والحذر.

2- السعي نحو تحقيق الذات:

كل ما يفعله نتنياهو منذ مراهقته ولغاية الآن وقد بلغ ال 75 من العمر يدخل في باب: السعي لتحقيق الذات.

فالدراسة الجامعية والمشاركة السياسية والرغبة في الوصول لمنصب رئيس الوزراء، وارتكاب المجازر الدموية وحروب الإبادة، تتساوى جميعها وتنضوي تحت هدف «السعي لتحقيق الذات».

يعني تحقيق الذات تحقيق الحلم الشخصي لأي إنسان، كأن يصبح طبيبًا أو مهندسًا أو سياسيًا. وهو التحقيق الكامل لإمكانات الشخص الإبداعية والفكرية والاجتماعية من خلال الدافع الداخلي، الذي يعتمد على تسخير قدرات الفرد لتحقيق إمكاناته. لذلك هو عملية فردية للغاية، تتفاوت وتختلف من شخص لآخر. وتكمن أهمية تحقيق الذات في أنه يمنح الأفراد شعورًا عميقًا بالرضا الشخصي، ويسمح لهم بالتأمل والفرحة فيما حقّقوه، بينما يؤدي الافتقار إلى تحقيق الذات إلى مشاعر عدم الرضا بالحياة، وانعدام الثقة بالنفس، والافتقار للطموحات والأهداف.

ولأن نتنياهو شخص ذكي ويملك قدرات عقلية أكثر من جيدة، فهو أدرك السبل المؤدية لتحقيق الذات من خلال:

- تحديد الأهداف: بقي يذكّر نفسه والآخرين بها، علنا وبوضوح، طيلة الحرب.

- التطوير الشخصي: استفاد من مؤهلاته العلمية وخبراته السياسية وعلاقاته الديبلوماسية.

- تحديد الأولويات: شرح أولويات كل فترة زمنية خلال خطاباته العامة.

- إدارة الخطط: لم يتوقف يومًا عن وضع الخطط وإدارتها في السياسة والقتال والاستيطان والحرب.

- تحدّي الصعاب: ما فعله خلال عام ونصف يعطي فكرة واضحة عن استراتيجيته في المواجهة.

- الاعتناء بالنفس: رغم كل الظروف يجد وقتًا يستقطعه لنفسه وحياته الخاصة، ضمن السفر أو العائلة أو غيرها.

سعى نتنياهو (عن قصد أو من دون قصد) لتحقيق كافة العوامل المساعِدة على بلوغ الهدف والإنجاز. ولكنه لا يعيش فرحة الإنجاز الكاملة أو المعتادة عند الناس، ويكفي لتبيان ذلك، مقارنة خطاب انتهاء الحرب بتاريخ 26 نوفمبر 2024 الذي ألقاه مع خطابات النصر لدى خصومه، فهو لا يذهب إلى حالة الفرحة الكبيرة بالإنجاز أو بما حققه خلال شهور، بل على العكس، يحتفظ بمشاعر الحذر والترقّب، وكأنه يقول لنفسه وللآخرين إن الراحة أو الاطمئنان بعد إنجاز المهمة أمرٌ غير وارد بالنسبة له.

فيما يلي مقتطفات حرفية من كلامه بعد تحقيق الإنجاز، لكن المفردات التي يستخدمها تدلّ على أنه مازال يترقّب ويتطلّع إلى تحقيق المزيد. "حققنا إنجازات هائلة وتاريخية في الحرب والمعركة لم تنته/ المسيرة لا تزال طويلة/ نعمل على تغيير شكل الشرق الأوسط/ اتفقنا على ضرورة استكمال جميع أهداف الحرب التي حددناها/ أنا لا أبالغ، ولا أضخم الأمور. هناك فرص وإمكانيات لم نكن نحلم بها، أو على الأقل لم تكن تبدو ممكنة قبل بضعة أشهر، لكنها الآن أصبحت ممكنة. لدينا إنجازات كثيرة خلفنا، ولكن لا تزال أمامنا تحديات كبيرة». هذه العبارات تلخّص عقلية السلوك الساعي نحو الوصول إلى أهداف وإنجازات معينة عند نتنياهو، في سبيل بلوغ أعلى مرتبة من مراتب تحقيق الذات والرضى عن الذات وتقديرها.

أشارت بعض التحليلات الصحافية خلال الشهور الماضية إلى أن نتنياهو «قرر عدم اتخاذ القرار، كسمةٍ من سمات أسلوب قيادته على مر السنين، إذ يقول المعجبون به والكارهون له، إنه يجمع الخيارات ويحافظ على مجال المناورة، ولا يتخذ القرارات إلا عندما يتعين عليه ذلك» بحسب ما أوردته صحيفة «وول ستريت جورنال»، فهو يفهم كيف يوجّه الأفكار، وأين ستكون الكرة في غضون أسابيع قليلة. لذلك لا يستطيع إعلان الفرحة الكاملة ببلوغ الإنجاز لأن لديه دائما مشاريع أخرى تنتظر.

ما وصل له نتنياهو اليوم، هو تنفيذ المخطط/الحلم، الذي يقضي بتصفية الحق الفلسطيني، الذي برز من خلال الدمار الكبير في البنية التحتية لمخيمات الضفة، وتجريف وهدم الأحياء ومقومات الحياة، بعد استهداف كل المخيمات، وخصوصًا مخيم جنين ومخيم نور شمس في طولكرم والفارعة جنوب طوباس، فهو يسعى لتصفية ما تبقى من حقوق اللاجئين، الذين يكدحون منذ 77 عاما، من خلال العمل لإزالة المخيمات، عبر القصف العشوائي والإعلان عن ممرات آمنة لخروج السكان، والهجوم على وكالة "الأونروا"، وقيام مجلس المستوطنات بتنفيذ الترحيل والتهجير، مع استمرار التوسع في الاستيطان وإعادة إقامة المستوطنات شمال الضفة، والبؤر الاستيطانية في نابلس.

يعمل نتنياهو اليوم للضغط بكل الوسائل على الفلسطينيين للرحيل، بالإضافة إلى الانتهاء الكامل من محور المقاومة ورموزه وقياداته وقواعده، وحين يحقّق هذا الهدف التاريخي والمصيري، حينها فقط، قد تتراجع وتيرة الحذر والتيقّظ لديه.

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

لبنانصفعة لعيسى ورجي: شيباني باقٍ في بيروت
الأخبار

25.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك