
غزة | طمس العدوان الإسرائيلي الأخير على محافظة شمال القطاع معالم المنطقة، ووحّد نسق التدمير في الأحياء كلها، حتى إنك حين تتنقل بين مخيم جباليا وبيت لاهيا وبيت حانون، تشعر بأنك تسير في الحي ذاته. لا شيء يطالعك سوى جبال الاسمنت التي تشقها شوارع ضيقة فُتحت من وسط البنايات المدمّرة بصعوبة بالغة. في بيت لاهيا وحي المشروع المحاذي للمدينة، في شمال غرب المحافظة، دمرت آليات جيش الاحتلال كل المنازل، ولم تُبق حجراً على حجر، وهو ما سيريح الطواقم الهندسية المتخصّصة حين تأتي لحصر الأضرار، من تصنيفات الهدم الجزئي والضرر البالغ، لتسجّل بيت لاهيا مدمرة بالكامل، بعدما تحوّلت المنازل إلى أكوام متجاورة من الركام.
وبيت لاهيا، بدأت منها الحرب كما من بيت حانون؛ إذ شهدت أعنف حملات القصف الجوي التي استُخدمت فيها القنابل الغبية الثقيلة وصواريخ أرض - أرض خلال الأيام الـ 20 الأولى من التمهيد الجوي الذي سبق بدء العملية البرية. وهي أيضاً واحدة من المدن القليلة التي لم يقبل أهلها النزوح إلى جنوب القطاع، بل ظلّوا صامدين في منازلهم خلال عملية التطهير العرقي، ولم يخرجوا إلا بعدما تحوّلت بيوت المدينة إلى مقابر جماعية لأصحابها. ويقول المواطن، محمد المصري، لـ»الأخبار» التي زارت المدينة والمشروع: «إننا رفضنا النزوح حتى إلى غرب غزة، على رغم أن جيش العدو مارس علينا عمليات قصف مجنونة، وفجّر براميل وروبوتات مفخخة. والمجازر الجماعية أبادت عائلات بأكملها مثل كيلاني والمصري وورش آغا وأبو نصر والشريف وبدران وأبو عوكل، لكننا لم نخرج إلا عندما تقدّمت دبابات العدو في اتجاه مراكز الإيواء وبدأت بإعدام الناس حرقاً».
الدمار المحيط بمستشفى «كمال عدوان» يخبر عن حجم الضغط الذي مارسه العدوّ على الطاقم الطبي والجرحى
وتعقيباً على سبب البقاء، على رغم أن «السلامة غنيمة» كما يقول المثل الشعبي، يجيب الرجل الخمسيني بأن «سلامة الفلاح وغنيمته هي أن يعيش المرء في أرضه ويموت فيها. نحن فلاحون، لم نعش نكبة عام 1948، أقصد أننا لم نهجّر، وبيت لاهيا أرضنا، وقد سمعنا الكثير عن الندم الذي عاشه من كُتبت له الحياة بعدما طُرد من أرضه قسراً. لذا، الجميع فضّل الموت على النزوح؛ ومن وافق على الخروج في ساعة الصفر الأخيرة، فعل لأجل الأطفال والنساء. فلم يكن من حقنا أن نقرر مصيرهم نيابة عنهم. ففي النهاية، لا بد لجيل أن يعيش كي يروي الحكاية ويأخذ بالثأر».
وليس بعيداً عمّا تبقى من مسجد سليم أبو مسلم، التقت «الأخبار» المواطن محمود عبد الجليل، وهو يحمل شوادر ونايلون ويتجه بها إلى منزله في حي المشروع. يقول محمود إن «دبابات الاحتلال وجرافاته لم تُقم حرمة حتى لقبور الأموات، فشقّت شارعاً وسط المقبرة، مدمّرة آلاف القبور». ويضيف أن «الناس جاؤوا إلى المقبرة للبحث عن قبور أحبائهم الشهداء. فالقبور هي الأثر المادي المؤنس، وهي عزيزة جداً على الأهل».
في المشروع غابت معالم البيوت والحارات، ولم يتعرّف الناس حتى على شارع السوق التاريخي. وعلى جنبات الطرق، ووسط السوق القديم، تنتشر القبور العشوائية للمئات من الشهداء. ويؤكد عبد الجليل أن «عائلات كاملة دفنها الجيران الذين تطوّعوا لإكرام الشهداء بالدفن كي لا تأكل الكلاب الضالّة جثامينهم. وهؤلاء الجيران استشهدوا لاحقاً، ولم تبقِ منهم الكلاب إلا العظام».
وفي المنطقة الشرقية من الحيّ، يُخبر قدر الدمار المحيط بمستشفى «كمال عدوان»، عن حجم الضغط الذي مارسه العدو على الطاقم الطبي والجرحى المحاصرين لأكثر من 80 يوماً في المستشفى، حيث لا أبنية قائمة. ويقول محمد العطاونة، وهو أحد الشهود الذين نجوا من الموت والأسر، وعايش الحدث كله، إن «القصف الجوي من الطائرات الحربية كان على سوئه أخفّ البلاء. فالروبوتات المفخخة تدمّر مساحة محيطية قطرها 100 متر، ولم يتوقّف القصف على المستشفى من طائرات الكوادكابتر، وإطلاق النار المباشر. كنا نعيش الجحيم». ويتابع، في حديث إلى «الأخبار»، أن «العدو انتقم من الطاقم الطبي الذي بقي على رأس عمله، وأعدم الدكتور سعيد جودة. كما قتل ابن الدكتور حسام أبو صفية، وعائلتَي الدكتور هاني بدران، والدكتور نهاد غنيم، كما أعدم الممرض أحمد الكحلوت. كنا في كل دقيقة على موعد مع الموت»، ويضيف الشاب: «في الهجوم الأخير على المستشفى، نكّلوا بالمرضى وأجبروهم على المشي على رغم البتر وأسياخ البلاتين. ضربوهم على جروحهم، وأحرقوا عدداً من الجرحى الذين لم يستطيعوا الخروج إلى باحة المستشفى، وهم أحياء».
في «كمال عدوان» لم يبقَ من أقسام المستشفى ومبانيه ما يمكن استصلاحه وإعادة تأهيله. ويقول منير البرش، وهو المدير العام للمستشفيات في وزارة الصحة، إن «ما تبقى هو الجدران وباحة المستشفى التي شهدت عمليات التنكيل بالمرضى والأطباء والممرضين، وتبقّت قبور الشهداء الذين دفنّاهم هنا. هذه أكبر جريمة في العصر الحديث، جريمة ارتكبت أمام العالم الذي لم يحرّك ساكناً». ويتابع البرش، في حديث إلى «الأخبار»، أن «ما حدث في «كمال عدوان» كان حلقة من حلقات الإجرام التي طاولت القطاع الصحي، حيث استشهد أكثر من 1100 من الكوادر الطبية، واعتقل أكثر من 300، كما تبقى 13 مستشفى تعمل بشكل جزئي من أصل 25 مؤسسة صحية في القطاع».

