ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

سيل مركبات في «صلاح الدين»: عودة أصعب من النزوح!

فلسطين
حفظ المقالة

يتواصل السيل البشري من النازحين العائدين إلى أحيائهم السكنية المهدّمة في شمال قطاع غزة. ففي شارع صلاح الدين وسط القطاع، تتكدّس آلاف المركبات المحمّلة بالنازحين، وسط حركة مرور بطيئة للغاية، يسبّبها قيام لجنة مصرية - أميركية بفحص دقيق للمركبات بهدف منع إدخال

عبد الله يونس
عبد الله يونس
الخميس 30 كانون الثاني 2025
يمتدّ طابور المركبات التي تقلّ النازحين وأمتعتهم على مسافة لا تقلّ عن ثلاثة كيلومترات (أ ف ب)
يمتدّ طابور المركبات التي تقلّ النازحين وأمتعتهم على مسافة لا تقلّ عن ثلاثة كيلومترات (أ ف ب)
الخط

غزة | يتواصل السيل البشري من النازحين العائدين إلى أحيائهم السكنية المهدّمة في شمال قطاع غزة. ففي شارع صلاح الدين وسط القطاع، تتكدّس آلاف المركبات المحمّلة بالنازحين، وسط حركة مرور بطيئة للغاية، يسبّبها قيام لجنة مصرية - أميركية بفحص دقيق للمركبات بهدف منع إدخال السلاح إلى الشمال، بموجب اتفاق وقف إطلاق النار بين حركة «حماس» وإسرائيل. ويمتدّ طابور المركبات التي تقلّ النازحين وأمتعتهم على مسافة لا تقلّ عن ثلاثة كيلومترات، الأمر الذي أجبر العالقين على المبيت في الطريق، في ظلّ نقص في الإمدادات الغذائية والمياه وعدم توفّر مرافق لقضاء الحاجة.

عالقون في الطريق إلى الدمار
داخل سيارة مكتظة بأفراد عائلته وأمتعتهم المتواضعة، يجلس الحاج أبو ياسر مقاط (67 عاماً) في المقعد الخلفي، ممسكاً بسبحته التي لا تفارق يده. ينظر من النافذة إلى طابور السيارات الممتدّ أمامه، في زحام يبدو بلا نهاية. «كأننا في قفص بلا باب»، يقول بحسرة، بينما تحاول زوجته تدفئة حفيدهما الصغير الذي لم يتوقّف عن البكاء منذ الصباح. وكانت العائلة قد انطلقت فجراً من خيمة نزوحها في دير البلح وسط القطاع، قاصدة بيتها المدمّر في مخيم جباليا شمالاً، إلا أنها لم تتوقع أن رحلتها التي لا تتجاوز الـ 30 كيلومتراً، ستتحوّل إلى معاناة تمتدّ لأكثر من 48 ساعة، وسط الطوابير الخانقة. ويقول أبو ياسر، لـ«الأخبار»: «نحن متعبون جداً، وقد نفد لدينا المياه والطعام، ولا نعرف ماذا نفعل».

عند اقترابهم من نقطة الفحص والتفتيش، طلب أحد رجال الأمن، وهو مصري الجنسية، من ركاب السيارة النزول والمشي في مسار رملي بعيداً من الفحص بأشعة «إكس»، للالتقاء بمركبتهم بعد الفحص. وفي هذا الإطار، يقول أبو ياسر: «المسافة التي يجب أن نمشيها طويلة، وهي تشكّل معاناة أخرى لكبار السن والأطفال. لماذا كل هذه الإجراءات المعقّدة للسماح للنازحين بالعبور إلى أحيائهم السكنية؟». أمّا حفيده البالغ من العمر خمس سنوات، فيراقب المشهد بفضول، ثم يسأل جدّه: «هل سنصل اليوم إلى بيتنا؟». يردّ أبو ياسر: «وهل ما زال هناك بيت أصلاً؟». لم يرَ الرجل سوى صور قليلة أرسلها له أحد الجيران، تظهر فيها أكوام الركام حيث كان يقف منزله ذات يوم. لكنه يشعر بحاجة عميقة إلى العودة، حتى لو كان كل ما تبقّى له مجرّد حجارة مبعثرة.

وبينما تشتدّ برودة الطقس وتطول ساعات الانتظار، تبدأ ابنته أسماء (35 عاماً) بالقلق على والدها المريض بالقلب، فتحاول تهدئته بالقول: «اصبر يا أبي، سنتحمّل قليلاً، ثمّ نصل». لكنه يردّ بمرارة: «لقد تحمّلنا الحرب والتشريد والجوع، أليس هذا كافياً؟».

ليلة قاسية على قارعة الطريق
في طريق العودة، تجمّدت حركة السيارات لساعات طويلة. داخل إحدى المركبات العالقة، تجلس أم محمود سعد (40 عاماً) إلى جانب زوجها، تحتضن صغيرتها حنين التي لم تتوقّف عن البكاء. أمامهم، يمتدّ طابور طويل من السيارات، وفي الخلف، يئنّ أطفالهما الثلاثة الآخرون من الإرهاق. لم تتوقّع أم محمود أن تضطرّ أسرتها إلى المبيت داخل السيارة؛ فحين قرروا العودة إلى منزلهم المدمّر في بيت حانون شمال القطاع، غادروا مخيم النصيرات بعد الظهر، معتقدين أن بضع ساعات تكفي للوصول. لكن التفتيش البطيء والازدحام الخانق جعلا الوقت يتسرّب ببطء مرهق، ومع اقتراب منتصف الليل، أصبح واضحاً أنهم لن يتحرّكوا قريباً.

«ماذا نفعل الآن؟»، تسأل أم محمود، بينما يحاول زوجها تهدئتها. لكن المشكلة الكبرى كانت الأطفال، الذين لم يعتادوا النوم داخل سيارة ضيّقة. بدأ الصغير آدم (5 سنوات) في التلوّي وهو يهمس متوسّلاً: «بابا، أريد الذهاب إلى الحمام». نظر الأب إلى الطريق أمامه، ثم إلى الظلام الذي يلف المكان. لا توجد مراحيض، ولا أيّ مكان آمن لقضاء الحاجة. أخذ نفَساً عميقاً قبل أن يفتح باب السيارة، ويمسك بيد ابنه مبتعداً قليلاً عن المركبات، لإيجاد مكان آمن وسط العتمة. أنجز آدم حاجته بسرعة، لكن عندما عادا، كانت البنت الكبرى لين (8 سنوات) تبكي بصوت خافت: «أريد الحمام أيضاً...». اضطرّ الأب إلى القيام بالمهمّة نفسها أكثر من أربع مرات خلال الليل، متنقّلاً بين الأطفال في قلب العراء، تحت سماء بلا نجوم، بينما تمرّ قوافل النازحين العالقين مثله في هذا الطريق المرهق.

مع انبلاج الفجر، كانت العائلة مرهقة تماماً. الأطفال ناموا أخيراً بعدما أنهكهم البكاء، لكن أجسادهم كانت ملتوية فوق المقاعد الصلبة. نظرت أم محمود إلى زوجها وهمست بصوت مبحوح: «هذه العودة أصعب من النزوح نفسه». أمامهم، لا يزال الحاجز على حاله، والسيارات بالكاد تتحرّك. كانوا أقرب إلى ديارهم، لكنهم لم يشعروا يوماً بالبعد عنها كما في هذه الليلة الطويلة.

عودة حسنين إلى الشجاعية
بعد 15 شهراً من النزوح، وقف عمار حسنين (39 عاماً) أخيراً أمام منزله في حيّ الشجاعية شرق مدينة غزة. لم يكن متأكداً ممّا سيجده خلف هذا الباب المخلوع، ولا ما تبقّى من ذكرياته بين الجدران المتصدّعة. لكنه كان يعلم شيئاً واحداً: هذه العودة كانت أصعب ممّا تخيّل.
«طريق العودة كان شاقاً جدّاً»، يقول لـ«الأخبار» وهو يمسح العرق عن جبينه؛ «لكن أصعب ما فيها، كان التفتيش البطيء، وكأننا نعبر حدوداً دولية». بدأت رحلته فجراً من منطقة مواصي خانيونس جنوب قطاع غزة، حيث أقام مع أسرته طوال الأشهر الماضية. كان يدرك أن الشوارع ستكون مزدحمة، لكنه لم يتوقّع أن يتحرّك بضعة كيلومترات فقط خلال ساعات طويلة. في كل نقطة تفتيش، كان رجال الأمن يتوقّفون عند المركبات، يفتّشون الأمتعة، ويدقّقون في كل ما يشتبهون في أنه قد يكون سلاحاً.

لكن على رغم الإرهاق، لم يستطع عمار إخفاء توتّره عندما اقترب من منزله: ما الذي سيجده هناك؟ هل ستظلّ غرفته كما تركها؟ هل بقي من أثاثه شيء؟ حين وصل، توقّف للحظات عند المدخل، يراقب المكان الذي كان يوماً يعجّ بالحياة. دخل بهدوء، وخطواته تتردّد في الفراغ. الجدران سوداء محترقة، والسقف منهار جزئيّاً، والأثاث إمّا محطم أو مسروق. في زاوية الغرفة، رأى صورة زفافه ملقاة بين الركام، زجاجها مكسور، لكنه استطاع أن يميّز ملامحه وملامح زوجته. تنهّد عمار وهو يقول بصوت خافت: «عدنا... لكن إلى ماذا؟».

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك