تحذيرات متصاعدة من كارثة صحية: المياه العادمة تحاصر الغزيين
إلى أطراف مخيم جباليا شمالي قطاع غزة، حيث تحوّلت الأحياء السكنية إلى أنقاض، عادت عائلة أبو فول إلى منزلها المدمّر، آملة في أن يكون السكن فيه، ولو من غير نوافذ وأبواب، أقلّ قسوة عليها من البقاء في الخيام تحت المطر


غزة | إلى أطراف مخيم جباليا شمالي قطاع غزة، حيث تحوّلت الأحياء السكنية إلى أنقاض، عادت عائلة أبو فول إلى منزلها المدمّر، آملة في أن يكون السكن فيه، ولو من غير نوافذ وأبواب، أقلّ قسوة عليها من البقاء في الخيام تحت المطر؛ لكنها لم تدرك أن ما ينتظرها سيكون أشدّ وطأة ممّا تركته خلفها. يقول سامي أبو فول (46 عاماً)، لـ«الأخبار»، وهو يقف أمام منزله الذي لم تتبقَّ منه سوى جدران متصدعة وسقف يحمل آثار الشظايا: «عدنا إلى هنا بحثاً عن قليل من الاستقرار، لكننا وجدنا أنفسنا نعيش وسط مستنقع من الصرف الصحي، الروائح تخنقنا، والمياه الملوثة تحاصرنا من كل جانب». ويضيف: «حاولنا استصلاح جزء من منزلنا المدمّر لنعيش فيه، ولكن كل خطوة داخله محفوفة بالمخاطر، فالأرضيات رطبة والمياه تتسلّل من الشقوق».
تدمير شبكات الصرف الصحي تسبّبت بتدفُّق أكثر من 130,000 متر مكعب من المياه العادمة يومياً دون معالجة
ويتابع: «أصدقائي أصيبوا بأمراض جلدية والتهابات بسبب المياه الوسخة. صرت أخاف أن ألمس الأرض». وبالفعل، لم تمرّ سوى أيام قليلة على عودة عائلة أبو فول، حتى بدأت آثار الكارثة تنعكس على صحة أفرادها؛ إذ إن الزوجة تشكو من آلام حادّة في المعدة، فيما أصيبت ابنتهما الصغيرة ريم (4 أعوام) بإسهال حادّ لم تفلح الأدوية في إيقافه. وكانت وزارة الصحة في غزة حذّرت مراراً من تفشّي الأمراض المعوية والجلدية، معلنةً تسجيل أكثر من 600 ألف حالة إسهال حادّ، و40 ألف إصابة بالتهاب الكبد الوبائي (أ) حتى كانون الأول الماضي، بسبب اختلاط مياه الصرف الصحي بمصادر المياه النظيفة.
وإذ تحاول عائلة أبو فول التكيّف مع الواقع الجديد، يضع سامي أكياس رمل أمام باب المنزل في محاولة بائسة لمنع تسرُّب المياه العادمة، لكن الأمطار الأخيرة زادت الطين بلة، بعدما جعلت تلك المياه تفيض أكثر فأكثر.
«حين يهطل المطر، تمتزج مياه الصرف الصحي بمياه الأمطار، فنصبح وكأننا نعيش وسط مستنقع. لا نعرف كيف نحمي أطفالنا من الأمراض، ولا نملك حتى المياه النظيفة لغسل ملابسنا»، تقول الزوجة بينما تحاول تنظيف أرضية المنزل بمياه قليلة جمعتها من خزان شبه فارغ. ووفقاً لبلدية غزة، فإن أكثر من 655 ألف متر من شبكات الصرف الصحي دُمّرت، فيما تعطّلت، خلال الأشهر الماضية، 6 محطّات رئيسة لضخّ المياه العادمة، ما أدى إلى غرق العديد من الأحياء المنخفضة في المخيمات والمناطق السكنية.
وعلى رغم كل هذه المعاناة، لا تفكّر عائلة أبو فول في النزوح مجدّداً، بعدما جرّبت مرارة التشرّد في المخيمات، حيث لا سقف يقي أفرادها البرد، ولا جدران تحميهم من الخطر.
حين تصبح الخيمة فخًّا للأمراض
داخل مخيم سضمّ نحو 70 خيمة، في حي الشجاعية شرق غزة، حيث تتجمّع مئات العائلات التي فقدت منازلها تحت القصف، تعيش عائلة جحا بينما روائح الصرف الصحي تحاصرهم من كل اتّجاه.
يقول محمود جحا (39 عامًا)، لـ«الأخبار»: «نحن نعيش وسط مستنقع، كلّما هطلت الأمطار زادت معاناتنا، تمتزج مياه المجاري بمياه المطر وتغمر الأرض حولنا… أصبحنا نعيش وسط القاذورات، لا نعرف كيف نحمي أطفالنا من هذا الجحيم». ويضيف جحا: «منذ أن سكنّا هنا، لم ننم ليلة واحدة بهدوء، البعوض يهاجمنا طوال الليل، نحاول تغطية أجسادنا لكن عبث». وتقاطعه زوجته أم عبد الرحمن قائلة: «البعوض لم يَعُد مجرّد إزعاج، لقد أصبح وسيلة لنقل الأمراض…
الأطفال يصابون بحمى وطفح جلدي طوال الوقت، ولا نملك دواءً ولا حتى ماءً نظيفاً لنغسلهم. المياه الملوّثة تصل إلى مداخل الخيام، وحين تجفّ، يبقى الوحل والجراثيم». وعلى رغم الظروف القاسية، لا تمتلك العائلة بديلاً؛ فمغادرة المخيّم تعني التشرُّد في الشوارع. وهكذا، «بقينا هنا لأنّنا لم نجد مكاناً آخر، لكننا نعيش الموت كل يوم»، كما يقول جحا.
وفي غياب حلول سريعة لإصلاح البنية التحتية، تتفاقم كارثة الصرف الصحي، ويبقى الآلاف في غزة، مثل عائلة جحا، محاصرين بين النزوح والمرض، ينتظرون معجزة تنقذهم من واقع لا يرحم. ويوضح الناطق باسم بلدية غزة، حسني مهنا، في حديثه إلى «الأخبار»، أن تدمير شبكات الصرف الصحي تسبّب بتدفُّق أكثر من 130,000 متر مكعب من المياه العادمة يومياً من دون معالجة، سواء إلى البحر أو الشوارع، ما يجعل القطاع أمام خطر بيئي غير مسبوق. وحذّر مهنا من أن استمرار الوضع الحالي يهدّد بموجة انتشار واسعة للأمراض، خاصة مع استمرار موسم الأمطار الذي يزيد من حدّة الأزمة، بالنظر إلى أن شبكات تصريف مياه الأمطار تضرّرت أيضاً بفعل القصف، ما أدى إلى اختلاطها بمياه الصرف الصحي.
ويشير إلى أن فرق الطوارئ في بلدية غزة تعمل على مدار الساعة لمحاولة تصريف المياه العادمة، لكن النقص الحاد في المعدات والوقود اللازم لتشغيل محطّات الضخ والمعالجة، بالإضافة إلى منع الاحتلال الإسرائيلي إدخال مواد الصيانة والأنابيب والمضخات اللازمة، يجعل الأزمة تتفاقم يوماً بعد يوم. ويقول: «الاحتلال يمنع إدخال المستلزمات الأساسية لإصلاح الشبكات ومحطّات الضخ، ما يعوق أي جهود حقيقية للحدّ من تفاقم الكارثة. من دون تدخّل عاجل، نحن أمام خطر بيئي وصحي لا يمكن السيطرة عليه». ووسط هذا الواقع الكارثي، دعت بلدية غزة، الجهات الدولية والمنظمات الإغاثية إلى التدخّل العاجل لتوفير الوقود والمعدات اللازمة لإعادة تشغيل محطات الصرف الصحي، والضغط على الاحتلال لرفع القيود المفروضة على إدخال مستلزمات إعادة الإعمار. ويؤكد مهنا أن تأخير الاستجابة لهذه الأزمة قد يؤدي إلى كارثة صحية وإنسانية غير مسبوقة، مشدداً على ضرورة تحرُّك المجتمع الدولي قبل فوات الأوان.
