طلاب غزّة الدوليون: مستقبل عالق عند أعتاب «رفح»
يجلس يحيى العيسوي (19 عاماً) على حافة سريره في خيمته في مدينة غزة، محدّقاً في حقيبة مليئة بالملابس والكتب والأوراق، كان أعدَّها للسفر، لكنه لم يفتحها منذ أشهر، مثلما أنه لم يسافر.


يجلس يحيى العيسوي (19 عاماً) على حافة سريره في خيمته في مدينة غزة، محدّقاً في حقيبة مليئة بالملابس والكتب والأوراق، كان أعدَّها للسفر، لكنه لم يفتحها منذ أشهر، مثلما أنه لم يسافر.
قبل الحرب، حصل العيسوي على منحة لدراسة الهندسة في تركيا؛ وبينما كان يودّع والديه عند باب المنزل قبل أيام من موعد سفره، اندلع العدوان وانتهى كل شيء. «كنت أحلم باليوم الذي أسافر فيه، كنت أعدّ الأيام، وأتخيّل نفسي في قاعة المحاضرات.
لكن الآن... لا شيء. لا جامعة، لا سفر، ولا حتى منزل فوق رؤوسنا»، يقول العيسوي لـ«الأخبار».
معضلة الطلبة العالقين لا تقتصر فقط على فقدان فرص الدراسة في الخارج، فحتى خيار استكمال تعليمهم في غزة بات غير ممكن
ويحيى هو واحد من مئات الطلبة الفلسطينيين في قطاع غزة، والذين يواجهون مستقبلاً غامضاً بسبب استمرار إغلاق معبر رفح أمامهم، ما يحول دون تمكّنهم من الالتحاق بجامعاتهم في الخارج. ووفقاً لمنصة «شبكة أمل طلاب غزة»، يزيد عدد هؤلاء على 1500، منهم 90 طالباً زاروا غزة صيف عام 2023 ولم يتمكنوا من المغادرة بسبب اندلاع الحرب وإغلاق المعبر.
بين الحرب والمستقبل
في ليلة صيفية دافئة، كانت الطالبة آية ناصر تستعدّ للعودة إلى غزة لقضاء عطلتها مع عائلتها، بعد عام دراسي طويل وشاق في جامعة «هايدلبرغ» في ألمانيا. تقول ناصر، لـ«الأخبار»: «لم أكن أعرف أن هذه الزيارة ستكون قفصاً لي... أنني سأدخل غزة كطالبة طب وأبقى فيها كعاجزة عن مواصلة حلمي». وإذ لم يكن التعليم عن بُعد خياراً بالنسبة إليها، كون دراسة الطب تتطلّب حضوراً شخصياً، فإنها مع كل يوم يمرّ، تخشى من أن يُحذف اسمها من سجلّات الجامعة، وأن تخسر مقعدها الذي كافحت سنوات من أجل الوصول إليه. وفي هذا الإطار، تشير إلى أن «زميلاتي الآن في المستشفيات يتدرّبن، وها أنا هنا أحاول فقط النجاة، لا أدرس، لا أتعلم، فقط أنتظر... لكن حتى الانتظار بلا جدوى، لأنني لا أعرف ماذا أنتظر أصلاً».
مناشدات للتدخل والضغط
على خلفية ذلك، نظّمت مبادرة «مناشدات سفر الطلاب الدوليين» حملة احتجاجية قبل أيام، أكّدت فيها أن 1500 طالب وطالبة يواجهون خطر فقدان فرصهم التعليمية ومستقبلهم الأكاديمي إذا لم يتم فتح المعابر وتسهيل سفرهم في أقرب وقت ممكن. ووجّه سائد زهد، الناطق باسم هذه الحملة، صرخة استغاثة إلى المجتمع الدولي، داعياً إيّاه إلى التدخل العاجل لإنقاذ مستقبل الطلاب، علماً أن من بين هؤلاء نحو 90 طالباً قدموا إلى غزة في إجازة قصيرة قبل الحرب، لكنّ الأوضاع المتدهورة منعتهم من العودة إلى مقاعدهم الدراسية.
لكنّ معضلة الطلبة العالقين لا تقتصر فقط على فقدان فرص الدراسة في الخارج، فحتى خيار استكمال تعليمهم في غزة بات غير ممكن، بعدما تعرّضت الجامعات للقصف والتدمير. ووفق زهد: «حتى لو فُتحت الجامعات في غزة، فأين سندرس؟ القاعات تحوّلت إلى أنقاض، والمختبرات لم تَعُد صالحة للاستخدام. حتى الكتب والمكتبات لم تسلم من الاستهداف. لا يوجد مستقبل أكاديمي في غزة الآن، والطلاب الذين فقدوا فرصتهم في السفر يعيشون في ضياع تام». وأضاف أن التخصصات العلمية والطبية التي تتطلب تدريباً عملياً تجعل من التعليم عن بعد خياراً غير كاف، ما يفاقم معاناة المحاصَرين، مشيراً إلى أن الطلبة في كليات الهندسة والطب والصيدلة لا يمكنهم الدراسة نظرياً فقط، بل هم بحاجة إلى مختبرات ومعدات وتجارب عملية.
