رمضان غزة... ظروف إنسانية صعبة وخوف من عودة الحرب
في اليوم الرابع من شهر رمضان تخيّم على الفلسطينيين في قطاع غزة حالة من الخوف والترقب لما هو آتٍ.


في اليوم الرابع من شهر رمضان، تخيّم على الفلسطينيين في قطاع غزة حالة من الخوف والترقب لما هو آتٍ، في ظل التهديدات المستمرة من قبل الاحتلال الإسرائيلي بعودة الحرب بعدما تنصّل من اتفاق وقف إطلاق النار الذي أعلن عنه في 19 كانون الثاني بوساطة قطرية ومصرية ودعم أميركي.
ورغم اعتياد الغزيين في شهر رمضان من كل عام على تزيين بيوتهم وشوارعهم بالزينة الرمضانية استعداداً لاستقبال الشهر الكريم، إلا أن تلك الأجواء اختفت في ظل الدمار الذي حل بمباني وشوارع القطاع بعد عام وثلاثة أشهر من الاستهداف المتواصل من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي.
تضع المواطنة هبة السحار (35 عاماً)، والتي تقيم في خيمة صغيرة بمنطقة الصفطاوي شمال قطاع غزة، بعدما دمر الاحتلال الإسرائيلي منزلها، بعضاً من أحبال الزينة الورقية على خيمتها في محاولة منها لاستعادة الطقوس الرمضانية في استقبال الشهر الكريم.
وتقول في حديث لـ «الأخبار»: «يأتي هذا الشهر ونحن في حالة من الفقد للأحباب والأصحاب والمكان والأمان، والذي لم نكن نشعر به قبل حرب الإبادة التي دمرت كل شيء جميل في حياتنا».
وتضيف: «زيارة الأهل لم تعد كما في السابق، فقد استشهد إخواني وأبناؤهم وأخي لا زال يعاني ويلات الأسر، فضلاً عن فقدان السكينة والطمأنينة في ظل تلويح الاحتلال الإسرائيلي لنا بعودة الحرب، والله المستعان».
وتستدرك: «رغم كل ذلك، إلا أننا نعمل على إضفاء جوٍ على الأولاد لإشعارهم بروحانيات الشهر الفضيل، بجلسة قرآنية وإفطار لذيذ والذهاب إلى صلاة التراويح، كما إنني وضعت حبلاً من الزينة الورقية لعدم توافر أحبال الزينة المضيئة والتي لا يمكن إضاءتها في ظل انقطاع الكهرباء».
أفضل حالاً من العام الماضي
ويعتقد شريف إبراهيم (42 عاماً) أن شهر رمضان هذا العام أفضل حالاً مما كان عليه العام الماضي «حيث الجوع والعطش والحرمان من أي شكلٍ من أشكال الطعام والمواد الغذائية».
ويوضح لـ «الأخبار» أن الاحتلال الإسرائيلي لا زال ينغص على الفلسطينيين في قطاع غزة حياتهم «بإغلاق المعابر ومنع دخول المساعدات والمواد التموينية، إضافة إلى الوضع الحياتي الصعب الذي نعيش، لعدم توافر المياه والسعي خلف نقلها من أماكن بعيدة نوعاً ما، كذلك التنقل بين هذا وذاك من أجل شحن البطارية وجهاز الاتصال الخليوي في ظل الانقطاع المتواصل للكهرباء».
ويقول: «يبقى شهر رمضان هو شهر الخير والرحمات، رغم فقداني لإخواني، سواء الشهيد منهم أو الأسيرين اللذين لا ننفك عن الدعاء لهما بالفرج القريب العاجل، وكذلك الدعاء لأنفسنا لما هو قادم».
وتستقبل بعض العائلات الغزية شهر رمضان بآلام الفقد الموجعة، فلا لمّة عائلية ولا لقمة هنية ولا شُربة نقية، كما تصف عبير غراب (36 عاماً) مشاعرها في استقبال الشهر الفضيل بالحزين جداً «زوجي معتقل لدى الاحتلال الإسرائيلي الذي دمر جزءاً كبيراً من بيتي وحوّله إلى كتلة من الرماد».
وتشير عبير لـ«الأخبار»، وقد اغرورقت عيناها بالدموع، إلى أنها تجبر نفسها على إعداد طعام الإفطار من أجل أبنائها، «فالحياة هنا صعبة لا مطبخ ولا أدوات ولا حتى مكاناً جيداً لإعداد الطعام، فضلاً عن أن من كان يتلذذ بتناول طعامي ويشيد بجودة إعداده، لم يعد معنا على المائدة».
وتستدرك: «أحاول ألا أشعر أبنائي بالحزن العميق الذي يعتري قلبي، لذلك، اصطحبتهم إلى السوق واشتريت لهم بعض الفوانيس وأحبال الزينة الورقية، وأخذتهم إلى صلاة التراويح وأحفزهم على حفظ القرآن وتلاوته».
-
في غياب السيولة لا يمكن للغزيين الشراء سوى من بعض المحال التي تتعامل بالبطاقة البنكية
صعوبة الحياة تنغص فرحة العودة
أما أم عمرو بركات (52 عاماً) فتشعر بالسعادة لأنها ستقضي رمضان في منزلها الذي أصابه الدمار الجزئي، وتقول لـ «الأخبار»: «قضينا شهر رمضان العام الماضي في خيمة صغيرة، كانت بمثابة غرفة نوم واستقبال ومعيشة ومطبخ وكل شيء».
وتوضح أنها، رغم سعادتها بعودتها إلى بيتها في غزة، إلا أنّ صعوبة الحياة تنغص عليها تلك السعادة «فأصبح كل شيء بحاجة إلى وقت أكبر، فالغسيل على الأيدي، وإعداد الطعام على النار بعدما أعلن عن إغلاق المعابر ومنع دخول الوقود والمواد الغذائية، محتسبين أجر ذلك التعب والعناء عند الله».
وتضيف: «لم نعد إلى حالة الاستقرار التام، والشوارع مليئة بمياه الصرف الصحي، وعلى جوانبها المباني السكنية في حالة دمار كبيرة، فضلاً عن التهديدات المستمرة من قبل الاحتلال الإسرائيلي بعودة الحرب».
وتشير أم عمرو إلى معاناتها الكبيرة مع عدم توافر السيولة «فجلُّ مدخراتنا كنا نضعها في البنك، وبالتالي لا يمكننا الشراء من السوق سوى من بعض المحال التي تتعامل بالبطاقة البنكية ما يضطرنا إلى الوقوف في طابور طويل بعدما كنا نشتري كل ما نحتاجه من السوق بكل سهولة ويسر».
وذكر الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، أنّ انكماشاً حاداً أصاب الناتج المحلي في قطاع غزة نتيجة حرب الإبادة الجماعية، بنسبة تجاوزت 82% وارتفاع معدلات البطالة إلى 80%.
ورغم صعوبات الحياة المعيشية والإنسانية والاقتصادية على الغزيين، إلا أنّ مشاعر الأمل بأنّ القادم أجمل، هي ما يدفعهم إلى العمل ومواصلة الحياة وتحدي الصعاب رغم مرارته.
