ما بعد زيارة الوفد الدرزي... حضر في مهداف الأسرلة
لم تكن الزيارة «التاريخية» للعشرات من رجال الدين السوريين من طائفة الموحّدين الدروز إلى الأراضي المحتلة، والتي اختُتمت أولَ أمس، إلّا واحدة من الخطوات الإسرائيلية المدروسة لاستثمار المناخ الرافض للإدارة السورية الجديدة، والدفع قدماً بالمشروع الإستراتيجي ال


دمشق | لم تكن الزيارة «التاريخية» للعشرات من رجال الدين السوريين من طائفة الموحّدين الدروز إلى الأراضي المحتلة، والتي اختُتمت أولَ أمس، إلّا واحدة من الخطوات الإسرائيلية المدروسة لاستثمار المناخ الرافض للإدارة السورية الجديدة، والدفع قدماً بالمشروع الإستراتيجي المُعدّ للجنوب السوري. ذلك أن أبعاد الزيارة، التي تُعدّ من بين أهمّ المتغيّرات الأخيرة المتصلة بالمشهد في سوريا، تخطّت السياج الذي أقامته المبادئ والأعراف، وتلاشت على إثرها الخطوط الوطنية الحمر، فضلاً عن الشرائع والقوانين.
والواقع أن الوفد الديني الذي تشكّل من قرى جبل الشيخ، وبشكل رئيسي من بلدة حَضر، الواقعة في ريف القنيطرة، لم يحتسب الخطوة في سياقها الديني فحسب، بل بدا واضحاً تحميله إياها رسائل سياسية تعود بجذورها إلى المخاوف الكامنة داخل البلدة، منذ أن أخذ الصراع السوري طابع الحرب الأهلية، إذ لا تزال حضر، ذات المكوّن الدرزي، تحمل في ذاكرتها إرثاً طويلاً من هذه الحرب، بعدما فقدت 150 من شبابها، نتيجة المعارك السابقة مع الفصائل المسلحة، والتي تنحدر غالبية منتسبيها من القرى المجاورة، أي جباتا الخشب، وطرنجة، وبيت جن.
معارك عاشت على وقْعها البلدة التي كانت موالية للحكومة آنذاك، مراحل عدّة من الحصار والاقتتال والعمليات الانتقامية، كان أشدّها في منتصف حزيران 2015، وتشرين الثاني 2017. ومنذ ذلك الحين، دخلت إسرائيل على خطّ استمالة أبنائها، بإعلان الناطق باسم جيش الاحتلال، الجنرال رونن مانيليس، أن الجيش الإسرائيلي جاهز لمنع تعرُّض حضر للأذى أو الاحتلال، كجزء من «التزام» إسرائيل إزاء المجتمع الدرزي.
أحدثت زيارة الوفد الديني إلى الأراضي المحتلة خلافاً في الآراء في أوساط أهالي حَضر
ويتحدّث أحد أبناء حضر، ممَّن حملوا السلاح دفاعاً عن البلدة، إلى «الأخبار»، عن صعوبة التأقلم مع الوضع الراهن، في ظلّ الانتشار الكثيف للسلاح في عموم البلاد وداخل القرى المجاورة، وعودة المقاتلين إليها، بعد نقلهم عام 2018 إلى الشمال السوري، وفق اتفاق بين جيش النظام السابق، والفصائل المسلحة في القنيطرة، متخوّفاً في الوقت ذاته من عودة الثارات والعمليات الانتقامية بين أبناء البلدات والقرى.
وخلال الفترة الماضية التي أعقبت سقوط النظام، أصدرت الهيئة الروحية والاجتماعية في بلدة حضر بيانات عدة، أبرزها بيان في الـ31 من كانون الأول، أكّدت فيه أن البلدة جزء لا يتجزّأ من سوريا الموحّدة. وأعقب ذلك انتشارَ مقاطع مرئية لاجتماعات أهلية لسكان من حضر، طالب خلالها المجتمعون باختيار ما سمّوه الأقل سوءاً، و«ضمّ» قريتهم إلى الكيان الإسرائيلي، بدلاً من الخضوع لـ«هيئة تحرير الشام» التي سبق أن اقتتلوا معها، وأساءت معاملة القرى الدرزية الواقعة في إدلب خلال السنوات الماضية.
ومع خروج أنباء زيارة الوفد الديني إلى الأراضي المحتلة، سُجّلت ردود في أوساط أهالي حَضر، حملت طابع الاستنكار، وفق ما تضمّنه بيان انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، أشار إلى حقيقة النوايا الإسرائيلية من الزيارة، والمتمثّلة بزرع الانقسام داخل المجتمع. وأثار البيان الكثير من التساؤلات، بعدما صدر بصيغة عامّة من بيئة، وإنْ أظهرت تقاربا نسبياً في مظهرها الإجمالي، لكنها تعدّ رجال الدين مرجعيتها الأساسية. وفي هذا السياق، يشير مصدر أهلي في البلدة، في حديث إلى «الأخبار»، إلى أن الزيارة أحدثت خلافاً في الآراء، مضيفاً أن حملات التخوين والاتهامات، التي انتشرت بشكل واسع على مواقع التواصل، دفعت الأهالي إلى إصدار بيان يوضح موقفهم من الزيارة.
هكذا، يعيش المكوّن الدرزي المنقسم إلى رئاسات دينية متغايرة الاتجاهات، حالةً من التشتُّت في الرؤى، على وقع التحديات الخطيرة التي تفرضها ظروف المرحلة الحالية، فيما تبدو بلدة حضر، بوصفها أكبر تجمُّع للدروز في محافظة القنيطرة، في صلب الأطماع الإسرائيلية للتوسُّع في الجنوب السوري. وتجلّى ذلك في وضع إحدى النقاط العسكرية في محيط البلدة، وإعلان إسرائيل نيّتها السماح للعمال الدروز القادمين من سوريا بدخول الأراضي المحتلة، لأول مرة منذ عقود طويلة.
