الصقيع يُفاقم معاناة الغزيين ويفتك بأطفالهم
يشهد قطاع غزة الذي يعاني من آثار الحرب المدمرة شتاءً قاسياً أدى إلى غرق النازحين وتشردهم ووفاة صغارهم نتيجة البرد القارس، الذي حل على المنطقة بفعل المنخفضات الجوية المتكررة.


يشهد قطاع غزة الذي يعاني من آثار الحرب المدمرة شتاءً قاسياً أدى إلى غرق النازحين وتشردهم ووفاة صغارهم نتيجة البرد القارس، الذي حل على المنطقة بفعل المنخفضات الجوية المتكررة، كان آخرها الموجة القطبية شديدة البرودة، والتي أدت إلى انخفاض حاد في درجات الحرارة، وتساقط كبير لزخات المطر.
ويوضح الثلاثيني عبد الستار البطش، والذي يقيم في مخيم الزواري شرق جباليا ويضم 400 خيمة، أن الاحتلال الإسرائيلي دمر منزله بالكامل واضطره للجوء إلى المخيم.
وأطلق هذا الاسم على المخيم نسبة إلى مهندس الطيران التونسي ومخترع طائرات الأبابيل محمد الزواري.
ويقول البطش في حديث لـ«الأخبار»، إنه كان قبل الحرب يحتاج اثنين من الأغطية خلال فصل الشتاء، «فما بالك اليوم في الخيمة ولا يوجد أغطية ولا ملابس بشكل كاف»، ويشير إلى أنه يضطر وعائلته إلى البقاء في حالة الاستيقاظ لساعات متأخرة من الليل أمام النار المشتعلة لينالوا قسطاً من الدفء لعدم توفر أي وسائل تدفئة أخرى.
-
أعلن المكتب الإعلامي الحكومي في 26 شباط الفائت عن استشهاد 13 طفلاً في خيام النازحين (أ ف ب)
ويبين البطش أنه بعدما سمع خبر وفاة الأطفال من البرد أصابه هاجس من حدوث أي شيء لأطفاله، ويضيف: «أقوم بين الفينة والأخرى للاطمئنان عليهم وتغطيتهم بشكل جيد»، مطالباً العالم «بالعمل على وقف إطلاق النار وإدخال ما نحتاجه لنحفظ أنفسنا من الموت».
وفي مخيم الصمود بحي الشيخ رضوان، تحاول أم أحمد بحر (33 عاماً) نشر بعض الأغطية والفراش كي تجف بعدما غرقت خيمتها، بينما يحاول زوجها إغلاق بعض الفتحات التي تسربت منها مياه الأمطار .
وتقول أم أحمد، بصوت يملؤه الأسى على ما حل بها، «كما ترين خيمة مهترئة بفراش بسيط نحاول ترقيعها بالنايلون والأقمشة، ونحن 9 أفراد ننام على 3 فرشات في هذا الصقيع الذي ينهش أجسادنا وأجساد أطفالنا».
وتضيف، وهي تحتضن طفلها الصغير ذا العام الواحد وقد بدا عليه الإعياء والتعب، «مذ بدأ الشتاء لا نتعافى من مرض الإنفلونزا والرشح والسعال، فالخيمة لا تقيك البرد وكذلك الملابس والأغطية قليلة ولا تكفي لنحصل على الدفء المطلوب».
وفي خيمتها التي وضعتها بجوار منزلها المدمر في منطقة تل الهوى، ترفع العشرينية أم محمد يديها إلى السماء وهي تلهج بالدعاء: «يارب أوقف الشتاء، يارب أوقف المطر»، بينما تتواصل زخاته في السقوط على خيمتها والنزول من بين فتحاته على أرضها التي رفعت عنها الفراش قبل أن يغرق.
وتقول أم محمد، والحزن باد على وجهها، «هذا هو حالنا طوال فصل الشتاء، فإن توقف المطر، لا يتوقف البرد الذي أنهك أجسادنا وأصابها بحروق البرد، فضلاً عن أمراض الجهاز التنفسي التي تنفك عنا، فلا سكن جيد، ولا أغطية مناسبة ولا تغذية سليمة».
تشخيص طبي
بدوره، يوضح الدكتور سلامة التتر، وهو طبيب عام في عيادة السلام في غزة، أن التعرض للبرد الشديد مع قلة التغذية «يؤثر بشكل كبير على الأجهزة الداخلية للجسم خاصة الرئتين والدماغ والجهاز الدوري والأعصاب».
ويقول في حديث إلى «الأخبار» أن «عادة الإنسان بالحركة والعمل وتناول الطعام والشراب يفرز حرارة تساعد أجهزة الجسم في المحافظة على نفسها».
ويشير إلى أن تعرض جسم الإنسان لنقص في الطعام والشراب إلى جانب زيادة البرد مع قلة الملابس التي تحافظ على حرارة الجسم والإقامة في خيام دون أغطية كافية «يؤدي إلى نزول حرارة الجسم عن معدلها الطبيعي 37 درجة مئوية».
ويشرح التتر أنه «في حال نزول درجة حرارة الجسم عن معدلها الطبيعي، تتأثر الأجهزة الداخلية للجسم لتصل في بعض الحالات خصوصاً الأطفال إلى الوفاة».
وكان المكتب الإعلامي الحكومي أعلن، في آخر إحصائية له في 26 شباط الفائت، عن استشهاد 13 طفلاً في خيام النازحين نتيجة البرد الشديد.
وينصح الدكتور التتر، الأمهات بتغطية رأس الطفل ووجهه بشكل جيد، لأن «منطقة الوجه والرأس للطفل تمثل حوالي ثلثي المساحة السطحية للجسم»، لافتاً إلى أن «وضع الطفل بين والديه أو إخوانه الكبار أثناء النوم، بالإضافة إلى التغذية السليمة، يساعدان في الحفاظ على حرارة جسمه وبالتالي على حياته».
وكانت المنظمة الأممية المعنية بشؤون الأطفال «يونيسف»، قد أصدرت تحذيراً شديداً من التأثير غير المتناسب للحرب على أطفال غزة، وخاصة خلال فصل الشتاء.
من جهته، قال المدير الإقليمي لـ«يونيسف» في الشرق الأوسط، إدوارد بيجبيدر، إن «الإصابات الناجمة عن البرد مثل قضمة الصقيع وانخفاض حرارة الجسم، تشكل مخاطر جسيمة على الأطفال الصغار في الخيام والملاجئ المؤقتة الأخرى غير المجهزة للطقس البارد».
وقال بيجبيدر، في تصريحات سابقة، إنه مع انخفاض درجات الحرارة بشكل أكبر، فمن المتوقع «أن يفقد المزيد من الأطفال أرواحهم بسبب الظروف اللاإنسانية التي يعيشون فيها، والتي لا توفر أي حماية من البرد».
ولفت إلى أن قدرة عمال الإغاثة على توفير الحماية الأساسية من برد فصل الشتاء مثل البطانيات والملابس الدافئة وغيرها من إمدادات الطوارئ «مقيدة بشدة» بسبب المساعدات الإنسانية المحدودة التي يسمح الاحتلال بدخولها إلى قطاع غزة.
