ترفيع قادة الفصائل: وعود «المحاسبة» لا تَصدق
تبادل كلّ من «أبو عمشة» و«أبو بكر بولاد»، أخيراً، التهاني عبر منصّة «إكس»، لمناسبة تسلّم كلّ منهما قيادة فرق عسكرية في تشكيلات الجيش السوري الجديد، فيما طرح علامات استفهام حول الإستراتيجية العسكرية السورية، ومدى سيطرة الإدارة الجديدة على الفصائل التي شاركت


تبادل كلّ من «أبو عمشة» و«أبو بكر بولاد»، أخيراً، التهاني عبر منصّة «إكس»، لمناسبة تسلّم كلّ منهما قيادة فرق عسكرية في تشكيلات الجيش السوري الجديد، فيما طرح علامات استفهام حول الإستراتيجية العسكرية السورية، ومدى سيطرة الإدارة الجديدة على الفصائل التي شاركت في «مؤتمر النصر». وأثار تعيين العميد سيف الدين بولاد، الملقب بـ«أبو بكر»، قائداً جديداً لـ«الفرقة 76» العاملة في محافظة حلب، الكثير من الجدل، بعد ورود إشارات إلى تورُّط فصيل «الحمزات» الذي يقوده، في ارتكاب مجازر الساحل؛ وهو نفسه ما حدث عقب تعيين محمد الجاسم (أبو عمشة) قائداً لـ«الفرقة 25» في محافظة حماة، في شباط الماضي.
وفي ظلّ تبادل الاتهامات والمسؤوليات عن تلك المجازر، تحدّثت تقارير عن تورُّط فصيلَي «الحمزات» و«العمشات» فيها، علماً أن الرئيس السوري، أحمد الشرع، كان أعلن تشكيل لجنة تقصّي حقائق، وأبدى، في مقابلة مع وكالة «رويترز»، استعداده لمحاسبة «أقرب الناس وأبعد الناس» ومعاقبتهم ممَّن اعتدوا على حرمة الناس ودمائهم وأموالهم. لكن ظهور «أبو عمشة»، أخيراً، في تسجيل مصوّر من قلب العاصمة دمشق، والإعلان عن تعيين «أبو بكر» قائداً لإحدى الفرق العسكرية في حلب، يبعثان برسائل معاكسة، ويثيران تساؤلات حول مدى جدّية التحقيق والاستعداد للمحاسبة، وأيضاً عن قدرة الشرع على الإمساك بزمام الفصائل على اختلافها، وهو ما عزّزه كشْف مدير «المرصد السوري»، رامي عبد الرحمن، عن أن «أبو عمشة» رصد مكافأة قدْرها 100 ألف دولار لمن يغتال عبد الرحمن، على خلفية توثيقه مجازر الساحل.
ويكاد لا يُذكر اسم «العمشات»، حتى يلحق بها «الحمزات»، بعدما سطع اسم الفصيلَين معاً إبّان عملية «غصن الزيتون» التي أَطلقها الجيش التركي في عفرين في ريف حلب ضد قوات «وحدات حماية الشعب» الكردية مطلع عام 2018. ومع ذلك، نال محمد الجاسم، قائد ميليشيا «العمشات»، شهرة أوسع من نظيره، إلى درجة أنه أَطلق اسمه على «الفرقة 62» التي يقودها اليوم، علماً أنه قاد سابقاً فصيل «السلطان سليمان شاه».
لا يبدو الإعلان عن حلّ الفصائل واندماجها ضمن وزارة الدفاع السورية كافياً لضمان انضباط تلك الفصائل
وترجع شهرة «أبو عمشة» إلى اهتمامه بنشر محتوى مكثّف عنه على منصّات التواصل الاجتماعي، حيث صار محطّ تندّر لإصراره على تقليد الشرع. وممّا نشره الرجل عبر حساباته، مقاطع تظهره أثناء ركوبه الخيل، أو سهراته مع «المجاهدين»، إضافة إلى بيان يبرّئ فيه فصيله من مجازر الساحل، بعد اتهامات طالته بارتكاب جرائم نهب وقتل خلال عمليات التمشيط التي قام بها مقاتلون هناك، تلاه أيضاً نشْره مقاطع مع عناصره في قرى ساحلية يتحدث فيها عن «العلاقة الجيدة» مع أهالي تلك المناطق. وأخيراً، ظهر «أبو عمشة» في احتفالات حماة بذكرى الثورة، متوعّداً، في خطابه بالمناسبة، بــ«تسيير جيش جرّار ضدّ مَن يخاطب مواطناً سورياً بكلمة بغير وجه حقّ».
في المقابل، يبدو «أبو بكر»، قائد فرقة «الحمزة» سابقاً و«الفرقة 76» في الجيش الجديد حالياً، أكثر هدوءاً، إذ يحافظ على حضور محدود على منصّات التواصل. وبخلاف «أبو عمشة» الذي عمل سائق جرارات قبل الانضمام إلى القتال ضدّ النظام السابق، كان الملازم أول، بولاد، ضمن موجة انشقاق العناصر العسكرية الأولى عام 2011، ليتسلّم لاحقاً قيادة فصيل «الحمزة» المنضوي تحت مظلّة «الجيش الوطني السوري» الموالي لتركيا، والمتّهم بارتكاب انتهاكات جسيمة بحقّ المدنيين في شمال البلاد وشمال غربها، والذي فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات عليه وعلى زعيمه بولاد، في منتصف آب 2023، إضافةً إلى فرض عقوبات مماثلة على فصيل «السلطان سليمان شاه»، وأخرى شخصية على كل من «أبو عمشة»، وشقيقه الأصغر وليد الجاسم.
وفي ظلّ تصاعد الجدل حول أحقيّة «ترفيعه» وغيره من المتهَمين بالمشاركة في مجازر الساحل، سعى قائد فرقة «الحمزة»، سيف بولاد، إلى نفي تورّطه في ذلك عبر بيان، قال فيه: «نتعرّض لحملة ممنهجة من فلول النظام البائد وميليشيا قسد الإرهابية تتّهمنا بارتكاب انتهاكات ضدّ المدنيين في الساحل. ننفي هذه الاتهامات، ونؤكد انسحابنا من المنطقة بناءً على تعليمات وزارة الدفاع، كما نلتزم بتوجيهات رئاسة الجمهورية ونضع قواتنا تحت مساءلة لجنة التحقيق، ولإنصاف الضحايا وإنصافنا»، في حين أشار «أبو عمشة»، بدوره، إلى أن قواته تدرّبت على أيدي «دول عظمى» لم يسمّها، مدعياً أنه «من المستحيل أن ترتكب (تلك القوات) أيّ انتهاكات».
وعلى أي حال، لا يبدو الإعلان عن حلّ الفصائل واندماجها ضمن وزارة الدفاع، كافياً لضمان انضباطها وامتثال عناصرها لقرارات الإدارة السورية، إذ تتّسم العلاقات في ما بينها بالتعقيد، فضلاً عن الاختلاف الكبير في الخبرات والمقدرات والتبعيات، وهو ما دفع العميد المنشقّ عن الجيش السابق، أحمد رحال، إلى السخرية من التعيينات الأخيرة، معتبراً أن هكذا قرارات تجعل عملية بناء الجيش الوطني «مستحيلة».
