عودة الحرب وغلاء أسعار مواد البناء تعيق ترميم بيوت الغزيين المدمّرة

تتضاعف معاناة الفلسطينيين في قطاع غزة بفعل الحصار الذي يفرضه الاحتلال الإسرائيلي عليها منذ تسعة عشر عاماً، وازدادت حدّته منذ بدأت حرب الإبادة الجماعية في السابع من تشرين الأول 2023.

هداية محمد التتر
هداية محمد التتر
الأحد 30 آذار 2025
عودة الحرب وغلاء أسعار مواد البناء تعيق ترميم بيوت الغزيين المدمّرة (فرانس برس)
عودة الحرب وغلاء أسعار مواد البناء تعيق ترميم بيوت الغزيين المدمّرة (فرانس برس)
الخط

تتضاعف معاناة الفلسطينيين في قطاع غزة بفعل الحصار الذي يفرضه الاحتلال الإسرائيلي عليها منذ تسعة عشر عاماً، وازدادت حدّته منذ بدأت حرب الإبادة الجماعية في السابع من تشرين الأول 2023، وإغلاق المعابر ومنع دخول معظم مقومات الحياة والتي من بينها الإسمنت ومواد البناء.
ويقول أبو محمد القيشاوي (35 عاماً) إنه، وبعد إشارة الإخلاء التي صدرت عن جيش الاحتلال الإسرائيلي، اضطرّ إلى اللجوء لأحد المنازل المدمرة وتنظيفها من الركام.
ويوضح في حديث إلى «الأخبار» أنه سعى لترميم الجدران المدمرة بالكامل إلا أنّ أسعار مواد البناء المرتفعة جداً حالت دون ذلك، ويضيف: «اضطررت لشراء شوادر وأخشاب كونها أقل سعراً من مواد البناء، ورممت بها الجدران، على أمل أن تنتهي الحرب ونعيد إعمار بيوتنا التي نسفت في حي الشجاعية».
وتصف هالة عيسى (51 عاماً) من حي الرمال بمدينة غزة، حال منزلها بـ«المأساوي» وتقول لـ«الأخبار» إنّها اضطرت للعيش في شقتها المدمرة لعدم توفر أماكن بديلة سوى الخيام «التي لم تقِ أجسادنا من حر الصيف ولا برد الشتاء أثناء نزوحنا إلى جنوب قطاع غزة». وتضيف: «حاولت ترميم المنزل بعد تنظيفه من الركام، إلا أنني لم أجد ما أحتاجه من مواد للبناء سوى الشيء القليل وبسعر مرتفع جداً، ما دفعني لاستخدام وسائل بديلة».
وتقول السيدة الخمسينية إنّه «تم استصلاح غرف النوم واستبدال الشبابيك بإطار خشبي مغلف بالنايلون، كما أغلقت الأبواب بشوادر بلاستيكية كي تحمينا من برودة الجو القارس، بينما بقيت التشققات في الجدران تتسرب منها مياه الأمطار تغرقنا وتدمر محتوياتنا، أما السقف فقد تم إسناده بألواح خشبية مدعمة بدعامات حديدية وإحاطته بشوادر كي أحمي صغاري من الاقتراب منها». وتضيف أنّ «كل ذلك الترميم لا يحميهم من خطر سقوط السقف فوق رؤوسهم».
وتلفت إلى أن الخطر يتهددها وأطفالها إثر عودة الحرب على غزة «ففي حال حدوث أي استهداف قريب من المنزل يمكن أن يؤدي إلى سقوط السقف علينا».
وتؤكد أنها اضطرت لذلك لعدم توفر مكان آخر يأويها وصغارها «خاصة أن زوجي شهيد المعيل الأساسي لنا والذي كان يتدبر أمورنا»، وتأمل أن تنتهي الحرب وتعيد بناء بيتها.
أما عبير المنسي (38 عاماً) والتي دمّر معظم بيتها من قذائف الدبابات واستهداف حربي لمنزل الجيران، فتشكر الله أن أبقى لها غرفة صغيرة مع حمام مجاور لها «حتى وإن كانت محترقة وجدرانها سواد كاحل». وتقول لـ«الأخبار» إنها حاولت ترميم بيتها إلا أنها صدمت بالأسعار الخيالية التي تباع بها مواد البناء، فقد أصبح سعر كيس الإسمنت 500 شيكل بعدما كان يباع بسعر 17 شيكل.
وتوضح أنها اضطرت لشراء شوادر بلاستيكية وألواح أخشاب طويلة بأسعار مرتفعة كي تغطي جدران المنزل، وتقول: «كوني أقطن في طابق علوي فإن الشوادر التي وضعتها كبديل للجدران لا تحمي الأطفال إن اقتربوا منها وأسندوا أجسادهم عليها، لذلك اضطررت إلى اقتطاع جزء كبير من الشقة والاستغناء عن الغرف في سبيل الحفاظ على أرواح أبنائي».
وتلفت إلى أنها تمكنت من حل مشكلة الأرضية المدمرة بالكامل برص قطع بلاط قديمة بجانب بعضها وتغطيتها بشوادر كي تستطيع المشي أو الجلوس عليها. وتعتبر أنها أفضل حالاً من غيرها «فالكثير من الناس لم يجدوا هذا المأوى ويعيشون قساوة الخيام التي جربتها فترة النزوح إلى جنوب القطاع».
وفي حي الشيخ رضوان، أحاطت الشوادر البلاستيكية بمنزل أبو حمزة المدهون (45 عاماً)، وعن ذلك يقول لـ«الأخبار»: «فقدت جزءًا كبيراً من بيتي، بفعل القذائف الصاروخية التي دمرت جدرانه وأهالت جزءًا من سقفه، وعندما حاولت ترميمها وجدتها شحيحة في السوق وبأسعار فلكية».
ويشير إلى أن سعر الحجر الواحد قبل حرب الإبادة كان يبلغ 1.5 شيكل، بينما اليوم وصل سعره إلى 20 شيكل، «أما الحجارة المستعملة والتي يتم استخراجها من بين الركام فتباع بـ10 شواكل، وهو ما لا يمكن لأي رجل في غزة شراؤه لمحدودية الدخل بل وانعدامها في بعض الأوقات». ويقول إنّ ذلك دفعه لأن يحمي نفسه بإقامة جدران من الألواح المعدنية (الزينكو) وتغطيتها بالمظلات التي كانت ترمى من طائرات المساعدات الغذائية على شمال وادي غزة. ويضيف أنه ثبت عدداً من الألواح المعدنية والخشبية بدعامات حديدية كي تسند السقف وتمنعه من السقوط «رغم خطورة الاقتراب منه».
ووفقاً لتقديرات وزارة الأشغال العامة والإسكان، فإنه من المتوقع أن يتجاوز عدد الوحدات السكنية المهدمة كلياً أو تلك المتضررة جزئياً بشكل بليغ 280 ألف وحدة سكنية، علماً بأنه قد بلغت الحالات التي تم حصرها ميدانياً حتى الآن قرابة 250 ألف وحدة سكنية (170 ألف وحدة سكنية هدم كلي، 80 ألف وحدة سكنية غير صالحة للسكن).
ويؤكد محمود أبو كميل والذي كان يعمل في مهنة تأسيس المباني (الطوبار) أنه استبدل مهنته التي لم يعد لها وجود في ظل منع دخول مواد البناء بتركيب النايلون والشوادر للمنازل المدمرة والتي اضطر أصحابها للسكن فيها.
ويوضح لـ«الأخبار» أنه يعمل على تثبيت الشوادر في الأخشاب ومن ثم تثبت في السقف أو الأعمدة الخرسانية، بينما يستخدم النايلون مع إطار خشبي كبديل للشبابيك، مشيراً إلى أنه «في حالة الرياح الشديدة لا تصمد وتخرج من مكانها كما حدث مع العديد من المواطنين في المنخفض الجوي الأخير».