موجة نزوح جديدة تقتل حالة الاستقرار التي عاشها الغزّيون لأسابيع
يشهد قطاع غزة موجة نزوح جديدة إثر عودة حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية ضدّ العائلات الفلسطينية التي كانت تحاول العودة إلى حياتها الطبيعية بعد أسابيع من الهدوء النسبي.


يشهد قطاع غزة موجة نزوح جديدة إثر عودة حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية ضدّ العائلات الفلسطينية التي كانت تحاول العودة إلى حياتها الطبيعية بعد أسابيع من الهدوء النسبي، حيث تُنصب خيام النازحين في الشوارع وعلى الأرصفة لعدم توفر أماكن بديلة.
وتجلس صابرين صبح (30 عاماً) من بيت لاهيا وأطفالها الخمسة على قارعة الطريق بالقرب من ملعب اليرموك، تستظل بإحدى الخيام، بعدما وضعت حقائبها بجوار الجدار وغطته بشادر، وتقول لـ«الأخبار»: «يبدو أنه لم يرق للاحتلال الإسرائيلي أن يرانا في حالة من الاستقرار على الرغم من معاناتنا في حياتنا اليومية».
-
«عاش المواطن الفلسطيني خاصة الغزي سنة ونصف سنة في حرب دامية مهما كان قوياً فسينهار أمامها» (أ ف ب)
وتضيف وهي تشير إلى شادر بلاستيكي يتوسط خيمتين «هنا أقيم مع صغاري، لا خيمة ولا قطعة قماش أو نايلون تقي رؤوسنا حرّ الصيف أو أمطار الشتاء»، مشيرة إلى أنها خرجت تحت نيران قذائف الدبابات من دون أن تأخذ معها سوى صغارها فقط.
وتجلس بجوارها ابنة عمّها ياسمين صبح (25 عاماً) قائلةً إنّ حياتها «كلها نزوح في نزوح» وتشير إلى أنها «كلما حاولنا الاستقرار نجد الصواريخ تتساقط فوق رؤوسنا من كل اتجاه، وتدفع بنا للهجرة والنزوح من جديد».
وتقول لـ«الأخبار»: «انقضى رمضان ومرّ العيد ولم نشعر لا بنفحاته ولا فرحته، ونقضي وقتنا في الجلوس على قارعة الطريق نستظل بخيام الجيران هرباً من حرارة الطقس». وتضيف وهي تشير إلى طفلها الرضيع أنّه «أصابه المرض من قلة الأكل والغذاء، فنحن نعتاش على ما يتم توزيعه من طعام التكيات». وتوضح بألم: «للعام الثاني على التوالي ونحن في حال يبكي لها الحجر والشجر».
وما زال الاحتلال يواصل حربه ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، ويجبرهم على الهجرة من بيوتهم وخيامهم تحت قذائف الدبابات وصواريخ الطائرات والتي كان آخرها صباح اليوم في منطقة الشجاعية والتي تأوي الآلاف من المواطنين لتزداد معاناتهم يوماً بعد يوم.
وتشكو ابتسام عدوان (47 عاماً)، من منطقة العطاطرة شمال غزة، الحال التي وصلت إليها بعدما خرجت وطلقات رصاص دبابات الجيش الإسرائيلي تخترق «خيامنا وتكاد تصيب رؤوسنا لولا تدخل عناية الرحمن».
وتقول إنّ «حياتنا كلها خوف ورعب، جوع وعطش، مطر وحر، ولا نستطيع إيجاد مكان آمن نأوي إليه سوى هذا الجدار وبجانب مكان تجمع النفايات». وتتساءل: «هل هذه حياة نعيشها هنا؟ الذباب يتطاير من حولنا، ينقل الأمراض لصغارنا، بالإضافة إلى أن زوجي مريض وبحاجة إلى علاج ولا نقوى على شراؤه، وبحاجة إلى خيمة ولا نجدها وننام مع الجيران في خيمة صغيرة بالكاد تكفي أصحابها».
-
«عاش المواطن الفلسطيني خاصة الغزي سنة ونصف سنة في حرب دامية مهما كان قوياً فسينهار أمامها» (أ ف ب)
أما ليندا غازي (38 عاماً) فتقول بصوت مختنق: «لدي تسعة من الأطفال عشت وإياهم أجمل اللحظات رغم ضنك العيش وقلة المياه، إلا أنّنا اضطررنا للنزوح من بلدة بيت لاهيا تحت القصف والاستهداف». وتضيف لـ«الأخبار» أنها خرجت بنفسها وصغارها من دون أن تحمل أي شيء معها «فلا طعام ولا شراب ولا حتى ملابس»، وتتابع: «لدي طفلان بحاجة إلى حفاضات وحليب ولا أملك ثمنها، لتزداد معاناتي في التغيير المتواصل لملابسهم».
وتضيف وهي تمسح دموعها التي خرجت رغماً عنها «طفلي ذو الثلاثة أشهر أطعمه زبدة فستق والتي يمنع إعطاؤها للأطفال دون الستة أشهر لعدم توفر مال أشتري فيه حليباً لصغيري».
ويصف محمد معروف (28 عاماً) حياته بالـ«صعبة جداً ولا تطاق»، ويقول: «كنا نحاول التعايش مع الواقع الأليم الذي فرضته علينا الحرب بعدما دمرت بيوتنا والبنى التحتية، لتصبح شربة المياه بحاجة إلى جهد كبير كي تحصل عليها».
وتساءل الشاب: «كيف ستكون حياة إنسان هارب من الموت السريع إلى الموت البطيء؟ كيف ستكون حياتي وزوجتي وأطفالي الصغار ونحن نقيم بجانب مجمع النفايات؟».
وهنا تدخلت زوجته وهي تشير إلى طفلها وتقول لـ«الأخبار»: «انظري إلى الحبوب التي ملأت جسد طفلي ذي العام ونصف العام، منذ الصباح وأنا أضع على جسده المياه كي تخفف عنه حرارة الطقس وألم الحبوب، من دون أن نجد حتى من يصرف لنا الدواء الذي لا نقوى على شرائه بأسعاره المرتفعة، وحسبنا الله ونعم الوكيل».
-
«عاش المواطن الفلسطيني خاصة الغزي سنة ونصف سنة في حرب دامية مهما كان قوياً فسينهار أمامها» (أ ف ب)
بدورها، تؤكد الأخصائية النفسية والاجتماعية صابرين الشاعر أنّ النزوح عند الشعب الفلسطيني أصبح كالكابوس. وتقول لـ«الأخبار» إنّه «بمجرد سماع كلمه إخلاء، تختلط مشاعر الإنسان ما بين الخوف والذعر والقهر والحزن الشديد لتصل في بعض الأحيان إلى الإعياء النفسي والجسدي».
وتوضح أن الشعب الفلسطيني لم يُشفَ بعد من موجات النزوح السابقة فقد «أمسى مهدّداً بموجات نزوح جديدة وتشتت وعدم استقرار وحرمان من أهم مقومات الحياة في الشعور بالأمن والأمان». وتشير إلى أنّ كل ذلك ترك أثراً نفسياً بليغاً على الأنفس باختلاف أعمارها، «فالناظر إلى وجوه الناس يرى ذلك بوضوح». وتتابع: «عاش المواطن الفلسطيني خاصة الغزي سنة ونصف سنة في حرب دامية، واجه فيها أبشع أنواع الموت، جاع وعطش، هجر ودمر، ومهما كان الإنسان قوياً فسينهار أمام كلّ ذلك».
