تصعيد كلامي تركي ضد إسرائيل | خرائط الشمال السوري: بداية تحوّل
في إطار الاتفاق الموقّع بين الحكومة السورية برئاسة أحمد الشرع، وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، والذي ينصّ على انضمام الأخيرة إلى الجيش السوري الناشئ، جنباً إلى جنب الاتفاقية الخاصة التي تمّ توقيعها قبل أيام قليلة، بهدف حل أزمة حيَّي الأشرفية والشيخ م


في إطار الاتفاق الموقّع بين الحكومة السورية برئاسة أحمد الشرع، وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، والذي ينصّ على انضمام الأخيرة إلى الجيش السوري الناشئ، جنباً إلى جنب الاتفاقية الخاصة التي تمّ توقيعها قبل أيام قليلة، بهدف حل أزمة حيَّي الأشرفية والشيخ مقصود، وعدد من القرى في ريف حلب الشمالي، خرجت أولى قوافل قوات «قسد» من حلب نحو الرقة، مع الحفاظ على حضور قوات الأمن الداخلي التابعة لها «الأسايش». ومن شأن هذه الخطوة أن تعيد رسم المشهد الميداني في الشمال السوري، وتمحو خرائط سيطرة استمرت لنحو 10 سنوات هناك، فيما كان لافتاً تزامن التطورات الأخيرة مع خروج أنقرة عن صمتها حيال التصعيد الإسرائيلي ضدها على الأرض السورية، واعتبارها، في بيان، أنّ «إسرائيل هي مصدر التهديد الأكبر» على المنطقة.
وتنص الاتفاقية الأحدث على خروج مقاتلي «قسد» من الحَيين، بعد عملية تبادل أسرى وتبييض سجون بين الطرفين، وتعهّد «الأمن العام» التابع لدمشق بعدم المساس بسلامة السكان، وضمان استمرار عمل قوات الأمن الداخلي الكردية. وعلى ما يبدو، مرّ تنفيذ الاتفاقية من دون أي «معوقات» تُذكر، في ظل حرص الطرفين على إتمامها، ولا سيما أنّها تحمل في طياتها شكلاً من أشكال اللامركزية، واحتراماً لـ«الخصوصية الكردية»، خاصة في ما يتعلق باستمرار عمل المراكز التعليمية والمدارس وفق ما كان قائماً سابقاً، إضافة إلى ضمان الانتقال بين الحيين وباقي أحياء المدينة بـ«حرية تامّة».
والجدير ذكره، هنا، أنّ هذه الخطوة اقترنت بجملة من الإجراءات الأخرى، والتي لم يتم الكشف عن معظم تفاصيلها في الوقت الراهن، وأبرزها وقف المعارك التي كانت مندلعة عند سد تشرين وانسحاب جميع القوى العسكرية من المنطقة، بالإضافة إلى انسحاب المظاهر المسلحة من قرى خط التماس بين مواقع سيطرة «قسد» وفصائل «الجيش الوطني» في ريف حلب الشمالي. كذلك، يجري الحديث عن ترتيبات لضمان عودة الأهالي النازحين من عفرين إلى قراهم، بعدما تمّ إخراج عدد من فصائل «الجيش الوطني»، وعلى رأسهم فصيل «العمشات» (فرقة سليمان شاه) السيئ السمعة من المنطقة، وتحويل مركز عمله إلى وسط سوريا (حماة)، على أن تتسلم قوات تابعة لـ«الأمن العام» إدارة المنطقة.
وتأتي التطورات الأخيرة كثمرة لجولات عديدة، انخرطت فيها وفود من فرنسا والولايات المتحدة، ومهّدت الطريق أمام توقيع اتفاق يمكن وصفه بـ«التاريخي»، وسط غموض في موقف أنقرة منه إلى الآن، إذ إن الأخيرة رحّبت بالاتفاق من جهة، فيما تابعت من جهة أخرى عمليات استهداف قوات «قسد»، وإن بوتيرة مخفّفة، مطالبةً بخروج المقاتلين الأجانب، في إشارة إلى مقاتلي «حزب العمال الكردستاني» القادمين من جبال قنديل. ومع ذلك، يرى البعض أنّه يمكن البناء على «النجاح الذي تمّ تحقيقه في حيَّي الأشرفية والشيخ مقصود» لتسريع وتيرة الاتفاقات اللاحقة، مع الأخذ في الاعتبار الخصوصية التي تتمتع بها كل منطقة وتمايزها عن الأخرى، وهو ما يفسّر تبني استراتيجية توقيع اتفاقات تعدّها لجان محلية، بدلاً من اعتماد اتفاقية مركزية موسّعة.
وفي مقابل التغيير الكبير الذي بدأ يشهده الشمال السوري، لا يزال الجنوب يرزح تحت وطأة الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة، في ظل احتلال القوات الإسرائيلية للمنطقة العازلة، وفرض «سلطة أمر الواقع» على مناطق واسعة، تصل إلى بعض مناطق أرياف دمشق ودرعا، ومحاولة دعم حراك شبه انفصالي درزي في السويداء، جنباً إلى جنب تسريع وتيرة الاعتداءات على أنحاء مختلفة في وسط سوريا، بحجة «توجيه رسائل إلى تركيا».
وبينما اقتصرت التصريحات التركية السابقة على التنديد بتلك التحركات، ومطالبة إسرائيل بالخروج من المناطق التي تحتلها في سوريا، بدا لافتاً التصعيد السياسي الأخير في البيان الذي أصدرته الخارجية التركية، عقب استهداف إسرائيل مطاري حماة و«تي فور» في ريف حمص، وهو المطار الذي كان من المنتظر أن تحوّله أنقرة إلى قاعدة تحتوي على منظومات دفاع جوي؛ إذ أشار البيان إلى أن «التصريحات الاستفزازية للوزراء الإسرائيليين ضد تركيا تعكس الحالة النفسية التي يعيشونها، فضلاً عن السياسات العدوانية والتوسعية لحكومة إسرائيل الأصولية والعنصرية»، مضيفاً أنّه لا يمكن تفسير الهجمات الجوية والبرية المتزامنة على العديد من المواقع في سوريا، «رغم عدم وجود أي استفزاز أو هجوم موجّه ضد إسرائيل في الساحة السورية»، إلا من خلال القول إنّ «نهج السياسة الخارجية الإسرائيلية يتغذّى على الصراع».
وأردفت الخارجية التركية، في البيان نفسه، أنّه «لا يمكن للوزراء الإسرائيليين، من خلال استهدافهم لتركيا، إخفاء الإبادة الجماعية التي يرتكبونها في غزة، أو الحرب الشاملة التي يشنونها ضد الشعب الفلسطيني، أو الإرهاب الاستيطاني، أو نواياهم بضم الضفة الغربية، أو الأطماع التوسعية الكامنة وراء هجماتهم على سوريا ولبنان»، لافتةً إلى أن «إسرائيل تتسبب في الفوضى وتغذّي الإرهاب باعتبارها عامل زعزعة استقرار استراتيجي في المنطقة». كما حثّ البيان تل أبيب على التخلي أولاً «عن سياساتها التوسعية والانسحاب من الأراضي التي تحتلها، والتوقف عن تقويض الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار في سوريا، فيما يجب على المجتمع الدولي تحمّل مسؤوليته في وضع حد للعدوان الإسرائيلي المتزايد بكل تهوّر».
كذلك، وفي تصريحات على هامش اجتماع وزراء حلف شمال الأطلسي (الناتو)، أكّد وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، من جهته، أنّ تركيا لا تريد أي مواجهة مع إسرائيل في سوريا، معتبراً أن «تصرفات إسرائيل تمهّد الطريق لعدم استقرار إقليمي في المستقبل»، وأنّه «إذا كانت الإدارة الجديدة في دمشق ترغب في التوصل إلى تفاهمات معينة مع إسرائيل، فهذا شأنها الخاص».
