«نغسل وجوهنا بنصف زجاجة ماء».. سكان غزة يواجهون أزمة مياه خانقة
في أحد أزقة حي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة، تجلس ريتاج شرف (42 عاماً) على عتبة منزلها الصغير، تقلّب بيديها دلواً بلاستيكياً فارغاً، تنتظر دورها لتعبئة بعض الماء من خزان الجيران. عيناها ترقبان أنابيب المياه المتشقّقة، وأنفها يلتقط رائحة الرطوبة المختلطة بغبا


غزة | في أحد أزقة حي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة، تجلس ريتاج شرف (42 عاماً) على عتبة منزلها الصغير، تقلّب بيديها دلواً بلاستيكياً فارغاً، تنتظر دورها لتعبئة بعض الماء من خزان الجيران. عيناها ترقبان أنابيب المياه المتشقّقة، وأنفها يلتقط رائحة الرطوبة المختلطة بغبار الغارات.
منذ الغارات الإسرائيلية الأخيرة التي استهدفت البنية التحتية في مطلع نيسان الجاري، تراجعت إمدادات المياه في غزة بنسبة تقرب من 70%. وقد تضررت شبكات التغذية الرئيسية في أكثر من منطقة، من بينها أحياء الدرج والتفاح والصبرة والرمال، إضافة إلى أجزاء من حي الزيتون وحي الشجاعية، والجزء الشرقي من حي الشيخ رضوان، ما أدى إلى انقطاع شبه تام في المياه المنزلية المخصصة للتنظيف والاستحمام والغسيل.
تقول ريتاج، وهي أم لستة أطفال، لـ«الأخبار»، إن الحياة تحوّلت إلى جحيم: «لا نكاد نجد نقطة واحدة لتنظيف الحمام أو غسل ثياب الأطفال». وتشير إلى وعاء صغير ملأه نجلها من بقايا ما ترسب في إمدادات المياه في الشارع «هذا كل ما لدي من المياه. وسأستخدمها لغسل الأواني والأرضيات».
في منزلهم، يغسل عناصر الأسرة وجوههم صباحاً بـ«نصف زجاجة مياه» لكل فرد، كما تقول. لم يعد هناك ما يكفي من الماء للاستحمام، فتضطر العائلة إلى استخدام مناديل مبللة للأطفال، أو قطعة قماش مبلولة قليلاً بالماء. أما ملابس الأطفال، فتُغسل فقط عندما يتوافر ما يكفي من المياه الرمادية – أي تلك المتبقية من تنظيف الصحون أو مسح الأرض.
زوجها، سامي شرف، الذي كان يعمل سائقاً قبل الحرب، يقف عند خزان مياه صغير فوق سطح المنزل، ينظر إليه بيأس «الخزان شبه فارغ. كنا نملؤه مرة أسبوعياً، واليوم لا يصلنا الماء إلا مرة كل عشرة أيام، ولمدة لا تتجاوز ساعة واحدة، والضغط ضعيف جداً».
وأضاف أن أزمة المياه أثّرت أيضاً في صحة العائلة، خاصةً الأطفال: «طفلتي الصغيرة أصيبت بطفح جلدي نتيجة قلة النظافة وعدم الاستحمام. إن مثل هذه الحالات بدأت تنتشر بين الأطفال في الحي».
إحدى أكثر اللحظات إيلاماً بالنسبة إلى ريتاج، كما تروي، كانت عندما بكت ابنتها البالغة من العمر سبع سنوات لأنها لم تستطع غسل شعرها المتشابك منذ أكثر من أسبوعين «جلست أمامي تبكي وهي تمسك خصلة شعرها المتّسخة... لم أستطع سوى أن أحضنها وأبكي معها».
المياه التي تصل السكان حالياً – عند توافرها – غير صالحة للشرب أو الطبخ، بل فقط للاستعمالات المنزلية. وتضطر العائلة إلى شراء مياه صالحة للشرب من محطات التحلية بأسعار مرتفعة، وهو أمر يشكّل عبئاً ثقيلاً على ميزانية الأسرة التي فقدت مصدر دخلها منذ شهور.
يقول سامي: «نحن اليوم نعيش على ما تبقى من المساعدات، ولا نعرف إلى متى سنصمد. المياه باتت حلماً. نحن لا نطلب رفاهية، فقط نريد أن نعيش بكرامة، أن نستحم، أن ننظف منازلنا، أن نحمي أطفالنا من الأمراض».
-
محمد أبو النور: «أصبحنا نعيش وسط العفن والعرق والروائح الكريهة» (أ ف ب)
حفر الآبار العشوائية
بيديه المتشققتين من الجفاف والغبار، كان محمد أبو النور (45 عاماً) يحفر في باحة منزله وسط حي الدرج في مدينة غزة، يراقب عاملين يواصلان إنزال الأنبوب المعدني عميقاً في الأرض، بحثاً عن بقعة ماء تعيد الحياة لأسرته.
قال أبو النور بصوت خافت لـ«الأخبار» وهو يزيح التراب جانباً: «إن لم يخرج ماء من هذا البئر بعد كل هذا الجهد والتكاليف، فماذا سنفعل؟».
لم تعد المياه تصل إلى منزل أبو النور، لا لغسل الصحون، ولا للاستحمام، ولا حتى لتنظيف دورة المياه. يقول: «أصبحنا نعيش وسط العفن والعرق والروائح الكريهة».
لذا قرر حفر بئر خاص، رغم التكلفة الباهظة التي وصلت إلى 8000 دولار، بعدما كانت لا تتجاوز الـ2000 قبل الحرب. يقول: «لم يكن لدي المبلغ... فاضطررت إلى بيع ذهب زوجتي».
يتوقف لحظة ثم يضيف بصوت منخفض: «ذهب ورثته عن والدتها، كانت تحبّه، ولم تكن ترتديه إلا في المناسبات».
حين أخبر زوجته، ساد الصمت. لم تجادله، بل دخلت الغرفة وعادت بصندوق صغير فيه أساور وخواتم كانت تحتفظ بها منذ سنوات. قال: «قالت لي: خذها، واحصل لنا على الماء».
داخل المنزل، تغيّر كل شيء بعد حفر البئر وخروج المياه. يقول أبو النور مبتسماً: «أطفالي باتوا يضحكون وهم يستحمّون، وعاد بيتي نظيفاً بعد أن كان كالكهف».
في ظل عجز بلدية غزة عن إصلاح شبكات المياه المدمّرة، وفقدان الوقود اللازم لتشغيل الآبار المركزية، بات حفر الآبار الخاصة الحل الوحيد لعشرات العائلات رغم تكلفته الباهظة. يقول: «لم يساعدني أحد، لا مؤسسة ولا جهة. اضطررنا إلى بيع ما ورثناه كي نعيش».
يعود أبو محمد إلى العمل قرب البئر، ينظّف فوهة المضخة، ويعدّ أنبوباً لتوصيل الماء إلى خزان السطح. يقول بنبرة ثابتة: «هذا البئر حُفر من ذهب زوجتي... ومن تعبنا وألمنا»، ثم ينظر إلى عمق الأرض ويضيف: «لكن الماء الذي يخرج منه... يخرج من كرامتنا».
أزمة مياه خانقة
وحذّر حسني مهنا، المتحدث باسم بلدية غزة، من أزمة مياه حادة تهدد سكان مدينة غزة، إثر توقف إمدادات المياه القادمة من شركة «ميكروت» الإسرائيلية، والتي تشكّل نحو 70% من إجمالي المياه التي تصل إلى المدينة.
وأوضح مهنا لـ«الأخبار»، أن المياه انقطعت عن الخط الرئيسي الذي يغذي مدينة غزة، والواقع في حي الشجاعية شرق المدينة، وذلك في أعقاب العملية العسكرية الإسرائيلية التي بدأها الجيش في الحي في الثالث من نيسان.
وأشار إلى أن الأسباب الدقيقة لانقطاع المياه لا تزال غير معروفة، مرجحاً أن يكون الانقطاع ناجماً إمّا عن أضرار مباشرة بسبب القصف الإسرائيلي المكثف في المنطقة، أو نتيجة قرار سياسي اتخذته السلطات الإسرائيلية بوقف الإمداد. ولفت إلى أن البلدية تنسق مع منظمات أممية للسماح بفحص الخط والتأكد من طبيعة الضرر.
وأكد مهنا أن استمرار انقطاع المياه من «ميكروت» ينذر بكارثة إنسانية، خاصة في ظل تكدّس مئات آلاف النازحين في المدينة، الذين يعيشون أوضاعاً إنسانية متدهورة مع تصاعد العدوان الإسرائيلي على القطاع منذ 18 آذار الماضي.
وبيّن أن ما تبقّى من إمدادات المياه لا يتجاوز 30%، وهي تؤمَّن عبر تشغيل الآبار الجوفية التابعة للبلدية، والتي تعتمد على كميات محدودة من الوقود يصعب توفيرها بشكل مستمر.وأشار مهنا إلى أن هذا الانقطاع يأتي ضمن سياسة إسرائيلية ممنهجة تستهدف بنية المياه التحتية في القطاع، مشيراً إلى تدمير عدد من الآبار ومحطات التحلية، من بينها محطة «غباين» التي تعرضت للقصف يوم الجمعة الماضي في حي التفاح شرقي غزة.
