استهداف تكايا الطعام... حين اختلط الأرز بأشلاء الجوعى
أمام تكية طعام غرب مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، اصطفّ عشرات النازحين في طابور اعتيادي لنيل وجبة الطعام اليومية. كانت القدور تغلي على نار الحطب، والأيدي تتسابق لتوزيع ما تيسّر من وجبات ساخنة على العائلات التي أنهكها الجوع والتشرد منذ شهور الحرب الطويلة. ف


غزة | أمام تكية طعام غرب مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، اصطفّ عشرات النازحين في طابور اعتيادي لنيل وجبة الطعام اليومية. كانت القدور تغلي على نار الحطب، والأيدي تتسابق لتوزيع ما تيسّر من وجبات ساخنة على العائلات التي أنهكها الجوع والتشرد منذ شهور الحرب الطويلة. فجأة، انقلب المشهد.
«كنا نوزّع الأرز والعدس، وفجأة سقط الصاروخ»، يقول الشاب عبد الرحمن أبو طه لـ«الأخبار»، وهو أحد المتطوعين في «تكية أهل الخير» التي كانت تقدّم أكثر من 700 وجبة يومياً للنازحين. ويضيف وقد اغرورقت عيناه بالدموع: «رأيت الأشلاء تتناثر مع الطعام في السماء. كان المشهد دامياً... لم أكن أتخيّل أنني سأنجو. كنت أملأ الصحون وأساعد النساء، وفجأة وجدت نفسي بين الجرحى».
تسبّب هذا القصف الإسرائيلي المباغت لتكية الطعام صباح السابع من نيسان الجاري، في استشهاد سبعة مواطنين، بينهم ثلاثة أطفال، وإصابة أكثر من عشرة آخرين، معظمهم من النساء والمتطوعين الذين كانوا يساعدون في توزيع الطعام.
يقول أبو طه، الذي بدا مرتعشاً من هول المشهد «رأيت يد طفلة صغيرة بين القدور، كانت الدماء قد لطّخت الأرز، وانقلبت الصحون على الأجساد. لم أعد أفرق بين الطعام والأشلاء».
ثم يتابع بصوت متكسر «الجيش الإسرائيلي يدّعي أنه لا يستهدف المدنيين... لكن ماذا عن هؤلاء الأطفال الذين كانوا ينتظرون لقمة تسدّ رمقهم تحت الشمس؟ بأي ذنب قُتلوا؟».
يقول أبو طه: «هذه التكية كانت بمنزلة الروح للعائلات التي لا تجد شيئاً تأكله. بعد استهدافها، توقف كل شيء. نحن لا نعرف كيف سنواصل غداً، أو كيف سنطعم كل هؤلاء الناس».
في محيط التكية، لم تكن الخسائر بشرية فقط، بل أحرقت النيران أواني الطعام وتطايرت القدور الكبيرة التي كانت تغلي على نار الحطب.
نجاة تحت الركام والغبار
الطفلة حنين عزيزة (10 أعوام)، كانت واحدة من الناجين من هذه المجزرة. تقول لـ«الأخبار» وهي تمسك بيد والدتها «كنتُ أقف إلى جانب أمي في طابور طويل أمام التكية منذ ساعات الصباح، نحمل معنا صحناً صغيراً نأمل أن نملأه بطعام يسد جوعنا. كنا نعدّ الدقائق، وكنا فرحين لأننا سنأكل شيئاً ساخناً».
ثم أضافت بصوت مرتعب «فجأة، دوى صوت قصف بجوارنا، والغبار ملأ المكان. لم أر شيئاً... بدأت أصرخ، وأمي كانت تناديني. شعرتُ أن الأرض تنهار تحت قدمي، وأنني سأموت».
حنين التي كانت ترتدي ثوباً منزلياً خفيفاً ملطخاً بالغبار، أكملت روايتها «وقعتُ على الأرض من شدة الازدحام، امتلأ فمي بالتراب، وقلبي كاد يتوقف من الذعر. رأيتُ امرأة تصرخ وتحمل طفلاً مغطى بالدماء. لم أعد أفهم ما يحدث. كنت أريد فقط أن آكل».
واستهدفت غارات الاحتلال الإسرائيلي أربعة تكايا طعام في أقل من أسبوعين. وبحسب مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي، إسماعيل الثوابتة، استهدف جيش الاحتلال منذ بداية الحرب أكثر من 26 تكية طعام، و37 مركزاً لتوزيع المساعدات.
وقال الثوابتة لـ«الأخبار»: «إن استهداف الاحتلال الإسرائيلي لتكايا الطعام في القطاع يمثل «جريمة حرب موصوفة، وجزءاً من سياسة ممنهجة لتجويع الفلسطينيين وحرمانهم من الحد الأدنى من مقومات الحياة».
وأضاف: «باتت التكايا مصدر الغذاء الوحيد لعشرات الآلاف من النازحين الذين فقدوا منازلهم ومصادر رزقهم، ومع ذلك لم تسلم هذه التكايا من القصف والاستهداف المباشر. في الأيام الماضية، استهدف الاحتلال أكثر من تكية في دير البلح وخان يونس وغزة، ما أدى إلى تدمير تجهيزاتها وإصابة عدد من المتطوعين».
وأشار إلى أن «هذه الاعتداءات تأتي في وقت يعيش فيه القطاع حالة مجاعة حقيقية، بسبب الحصار الخانق ومنع دخول المواد الغذائية والطبية، منذ إغلاق إسرائيل لجميع معابر غزة في مطلع مارس الماضي».
وأوضح الثوابتة أن «نسبة كبيرة من الأطفال في مراكز الإيواء والمخيمات يعانون من أعراض سوء تغذية حاد، بينهم من سُجلت عليهم حالات إغماء، وضعف في النمو، وتساقط للشعر بسبب نقص الفيتامينات، كما أن النساء الحوامل يفتقرن إلى أبسط المقوّمات الغذائية، ما يهدد حياتهن وحياة أجنتهن».
تحذيرات أممية
من جهتها، حذّرت منظمة الصحة العالمية من التدهور الخطير في الوضع الصحي لآلاف النساء الحوامل والمرضعات في قطاع غزة، مؤكدة أن 90% منهن يعانين من سوء تغذية حاد، في ظل انعدام الرعاية الصحية ونقص المعدات الطبية اللازمة لعلاجهن.
وقالت مارغريت هاريس، المتحدثة باسم المنظمة، الإثنين، بمناسبة أسبوع الصحة العالمي، إن «الوضع الصحي في غزة يشهد انهياراً كارثياً، وصحة الأمهات والأطفال تدهورت بشكل حاد منذ السابع من أكتوبر 2023. هناك نقص كامل في الغذاء والدواء، ولا تصل أي مساعدات إلى القطاع».
وأضافت: «النساء الحوامل والمرضعات، إلى جانب آلاف الأطفال، يحتاجون بشكل عاجل إلى العلاج والرعاية، لكن الإمكانات منعدمة، والوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم. الأمهات يعانين بصمت، والأطفال يدفعون الثمن الأكبر».
ودعت منظمة الصحة العالمية إلى فتح ممرات آمنة وفورية لإدخال المساعدات الطبية والغذائية، محذرةً من أن استمرار الحصار وحرمان المدنيين من الرعاية الصحية سيؤدي إلى نتائج «كارثية لا يمكن تداركها».


