قرار متجدّد بحلّ «الإخوان» | الأردن يجازف باستقراره: محاربة المقاومة بأي ثمن
كما كان متوقّعاً، أعلن الأردن، أمس، حظر جميع نشاطات جماعة «الإخوان المسلمين» في المملكة وإغلاق مقارها ومصادرة ممتلكاتها ومنع «التعامل» معها أو «نشر» ما يصدر عنها «وكافة واجهاتها وأذرعها»، من دون أن يُعرف ما إذا كان ذلك يشمل ذراعها السياسية، حزب «جبهة العمل


عمّان | كما كان متوقّعاً، أعلن الأردن، أمس، حظر جميع نشاطات جماعة «الإخوان المسلمين» في المملكة وإغلاق مقارها ومصادرة ممتلكاتها ومنع «التعامل» معها أو «نشر» ما يصدر عنها «وكافة واجهاتها وأذرعها»، من دون أن يُعرف ما إذا كان ذلك يشمل ذراعها السياسية، حزب «جبهة العمل الإسلامي». وخلال إعلانه القرار، قال وزير الداخلية الأردني، مازن الفراية، إنه تقرّر «اعتبار أي نشاط (تقوم به الجماعة) مخالفاً لأحكام القانون ويوجب المساءلة القانونية». كما أعلن «إغلاق أي مكاتب أو مقار تُستخدم من قبلها حتى لو كانت بالتشارك مع أي جهات أخرى».
وأضاف أنه تقرّر أيضاً «تسريع عمل لجنة الحلّ المكلّفة بمصادرة ممتلكاتها وفقاً للأحكام القضائية ذات العلاقة، وحظر الترويج لأفكارها تحت طائلة المساءلة القانونية، واعتبار الانتساب اليها أمراً محظوراً». وأضاف أنه «ثبت قيام عناصر ما يسمّى بجماعة الإخوان المسلمين المنحلة (...) بالعمل في الظلام والقيام بنشاطات من شأنها زعزعة الاستقرار والعبث بالأمن والوحدة الوطنية والإخلال بمنظومة الأمن والنظام العام»، متابعاً أن «ما تمّ كشفه من متفجرات وأسلحة كانت تتحرك بين المدن الأردنية وتُخزّن داخل الأحياء السكنية والقيام بعمليات تصنيع وإخفاء صواريخ في ضواحي العاصمة وبعمليات تدريب وتجنيد في الداخل والخارج، لا يمكن لأي دولة أن تقبله».
وتأتي هذه الخطوة بعد أيام من إعلان السلطات الأردنية القبض على 16 شخصاً، بينهم ثلاثة من «الإخوان»، على خلفية مزاعم حول خطط لاستهداف أمن المملكة، تشمل تصنيع صواريخ، وحيازة مواد متفجرة، وتطوير مشروع لصنع طائرات مسيرة، «وتجنيد وتدريب أشخاص بشكل غير مشروع». وتزايدت، إثر الإعلان عن تفكيك الخلية المزعومة، الدعوات إلى حظر «الإخوان» و«جبهة العمل»، في وقت وقّع فيه عدد كبير من أعضاء مجلس النواب عريضة تطالب بهذا الحظر، مذكّرين بأن الجماعة حُلّت رسمياً بموجب قرار القضاء الأردني عام 2020، ولم يبقَ ما يمثّلها سوى جمعية قانونية تأسّست على يد منشقّين.
واعتبر موقّعو العريضة أن تأخر تطبيق ذلك القرار القضائي أدّى إلى «إنشاء ما قالوا إنه مجموعات عسكرية مسلحة». وجاء هذا التحرك في وقت جرت فيه تعبئة الرأي العام، لأيام، على قاعدة أن «الإخوان» باتت «تشكّل تهديدًا حقيقيًا للأمن الوطني»، وأن المملكة أدّت قسطها للعلا في نصرة الشعب الفلسطيني، لمجرّد أنها أعلت السقف السياسي بوجه مخطّطات تهجير الفلسطينيين من أرضهم، وسمحت بخروج التظاهرات المناصرة لهم، في وقت استمرّ فيه التبادل التجاري بين الأردن وإسرائيل حتى في ذروة حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة.
والواقع أن السلطات الأردنية سعت بجدّ إلى احتواء غضب الشارع حيال الجرائم الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، وهو ما يفسّر تساهلها حيال التظاهرات والمسيرات التضامنية، وتسليمها ضمنًا زمام قيادة المحتجين للجماعة، حتى لا يفلت الزمام من يدها، وتنقلب الأمور إلى سيناريوات أمنية لا تحبّذها. وفي المقابل، لم تتردّد «الإخوان» في استثمار ذلك الغضب في تعزيز رصيدها في الشارع، والذي تُرجم سريعاً بحيازة ذراعها السياسية رُبع مقاعد مجلس النواب في الانتخابات البرلمانية الأخيرة (31 من أصل 138).
السلطات الأردنية سعت بجدّ إلى احتواء غضب الشارع حيال الجرائم الإسرائيلية بحق الفلسطينيين
على أن مساعي القولبة تلك، لم تمنع من بروز تحرّكات تخطّت التضامن الكلامي مع الفلسطينيين إلى الإسناد الفعلي، الذي تجلّت نماذج منه في عمليتَين عابرتَين للحدود نفذّهما أردنيان ضد جنود الاحتلال الإسرائيلي ومستوطنيه، فضلاً عمّا رُصد من محاولات تسلّل متكررة ومساعٍ لإيصال السلاح إلى الضفة الغربية المحتلة. وبالنظر إلى تلك المحاولات، فإن الخلية التي أُعلن ضبطها أخيراً، والتي زُعم أن نشاطها يعود إلى عام 2021، لا تبدو خارجة من سياق الاشتغال على إيجاد أي وسيلة لإسناد قطاع غزة المتروك لوحده تحت سوط الإبادة الجماعية من جانب الأنظمة العربية.
ولعلّ هذا ما حاول بيان حركة «حماس» الصادر أول من أمس تسليط الضوء عليه، بقوله إن «أعمال الشباب الأردنيين المعتقلين بتهم تصنيع صواريخ ومسيرات، إنما جاءت بدافع النصرة لفلسطين، ورفض حرب الإبادة المتواصلة على غزّة، والدفاع عن القدس والمسجد الأقصى المبارك، دون أن تستهدف بأي حال من الأحوال أمن الأردن أو استقراره». وطالب البيان السلطات الأردنية بتقدير «الدوافع الوطنية المشرفة للمعتقلين، ومعالجة هذا الملف بروح من الحكمة والمسؤولية القومية، بما يعزّز العلاقة التاريخية الراسخة بين الشعبين الأردني والفلسطيني، في مواجهة العدو الصهيوني ومخططاته».
وإذ تصدّت وسائل الإعلام السعودية، التي تقود في هذه الأيام حملة التحريض على أي فعل تضامني مع فلسطين بدعوى الحرص على «سلامة البلدان واستقرارها»، لنقل ردّ أردني شديد اللهجة - ندُر سماع مثله بوجه العدو وأعوانه - على البيان «الحمساوي»، جاء فيه أن «الأردن أكبر من أن يرد على فصائل... ومن يتدخل في شأننا لا يعرف الأردن ومؤسساته وشعبه»، وأن «الأردن دولة مؤسسات صامدة تاريخياً وكل الفصائل التي عملت ضد الأردن تبخرت»، فإن ثمة دعوات بدأت تتصاعد بالفعل في المملكة إلى ضرورة التروي والتصرف بحكمة، والأخذ في الحسبان أن «هذه الخلايا تصرفت بدافع إنساني ووطني لدعم المقاومة أولاً، ولعدم تحمل مشاهد المذبحة التي تحدث في غزة»، والامتناع عن الذهاب نحو الصدام مع تيار سياسي يمثل شريحة لا يستهان بها من الشارع. والواقع أن «إخوان الأردن» يشكّلون نموذجًا مختلفًا عن أذرع التنظيم الدولي؛ فهم معترف بهم قانونيًا ضمن ذراعهم السياسية، ومشاركون في النقابات والبرلمان، وهذا بحد ذاته خدم السلطة في تقديم نموذج «معارضة من داخل النظام»، وإتاحة هامش «ديموقراطي» محسوب، وتحسين صورة الدولة أمام الخارج في ملف الحريات.
كما أن هذا الوجود يُستخدم كأداة ضغط داخلية؛ إذ يمكن عبره قياس المزاج الشعبي، وتحجيم تيارات أكثر تشددًا، وإدارة مراكز قوى لا تتعارض جذريًا مع البنية السياسية.
وبالعودة إلى قضية الخلية المكتشَفة، أعلنت النيابة العامة أنها «أنهت الإجراءات القانونية كافة المتعلقة بمجموعة من الموقوفين وأحالتها إلى المحكمة»، في حين جرى الترويج عبر وسائل إعلامية عدّة لـ«ضرورة احترام الحكم القضائي المنتظر بعد استكمال المراحل القضائية وفقاً لدرجات التقاضي لدى المحاكم»، وهو ما يعني إمكانية التوجّه نحو خطوات تصعيدية أكبر من مثل حلّ حزب «جبهة العمل»، وهو ما بدأت بوادره أمس مع إعلان حلّ جماعة «الإخوان».
وإذ يفتح القرار المذكور الباب على صراع بلا ضوابط مع الإسلاميين، وتضييق الخناق على كتلة «العمل» في البرلمان، وإعادة صياغة قواعد لعبة ما سمّي «التحديث السياسي» بشكل يتلاءم مع المحددات الخارجية، فإن مراقبين يرون أن السلطات ستتريث في الإقدام على أي خطوة من هذا النوع ستفتح عليها باب الاضطرابات والانتقادات من دون مكاسب فعلية، وستفضّل الاستمرار في سياسة «الغموض» التي تسمح لها بالتحرك بمرونة، وتحديد سقف المواجهة، وتلافي المجازفة باستقرار هشّ يمكن أن ينفرط في «لحظة الحقيقة». وأيّاً يكن، وبمعزل عن ديناميات الصراع الداخلي الأردني، فالأكيد أن سلطات المملكة ستظلّ وفية لدورها المتمثل بخنق أيّ نواة مقاومة من أراضيها، وحراسة حدود الكيان الذي لم يعد يخفي نواياه في تهجير فلسطينيي الضفة إليها.
