انكشاف التوازن الموهوم: «الألغام» تنفجر بوجه الشرع
يواجه الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، جملة من الضغوط المتوازية والمتراكمة والمتضادّة، بعضها داخلي يرتبط بتكوين جماعته، وبعضها الآخر تتداخل فيه عوامل مرتبطة بتركيبة المجتمع السوري من جهة، وتعدد الأطراف الخارجية، من جهة أخرى. ومن شأن كل ذلك


يواجه الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، جملة من الضغوط المتوازية والمتراكمة والمتضادّة، بعضها داخلي يرتبط بتكوين جماعته، وبعضها الآخر تتداخل فيه عوامل مرتبطة بتركيبة المجتمع السوري من جهة، وتعدد الأطراف الخارجية، من جهة أخرى. ومن شأن كل ذلك أن يرسم مشهداً شديد التعقيد، يخوض الرجل الذي نصّب نفسه رئيساً لسوريا، سباقاً مع الزمن لفكفكته.
وبينما يواجه مشروع دمج «الإدارة الذاتية» بالحكومة السورية الناشئة عقبات جوهرية في ظل التوافق الكردي – الكردي على إنشاء نظام فيدرالي، أعلن الشرع، ومن ورائه تركيا، رفضهما له، تتابع الولايات المتحدة سياسة فرض شروطها على الإدارة الجديدة، والتي أعلنت مراراً عدم اعترافها بها، في محاولة لرسم معالم «سوريا الجديدة» المناسبة للإدارة الأميركية، والتي تفتح الباب أمام رضوخ مطلق لإسرائيل من ناحية، وخسارة الشرع لجماعته التي تضم مقاتلين أجانب ترفضهم واشنطن، من ناحية ثانية.
ووسط هذه الضغوط القادمة من الشرق السوري، ومن وراء الحدود، ما زالت آثار المجازر التي ارتكبتها فصائل تابعة أو مرتبطة بالإدارة الجديدة، في الساحل، تفرمل محاولات هذه الإدارة الانفتاح على الغرب، الذي أعلن عقب صعود الشرع احتضانه لهذه الإدارة، قبل أن يتراجع ويدرس الموقف مع انفجار شلال الدماء الذي امتدّ إلى حمص وحماة، وقابلته السلطة بمحاولات مستمرة لتبرير هذه المجازر، القائمة بالأصل على أساس طائفي، أو ملاحقة مرتكبيها بشكل صوري عبر «لجنة التحقيق» التي تمّ تشكيلها وتمديد فترة عملها لثلاثة أشهر أخرى.
وتقوم المعضلة الداخلية الأساسية التي يواجهها الشرع، بشكل أساسي، على التوازن الذي حاول رسمه لحكمه؛ إذ قام بتقديم نفسه باعتباره الشخص القادر على إدارة ملف رفاق دربه المتشدّدين (السوريون منهم والأجانب)، وقدّم تعهدات عديدة بإقامة دولة مواطنة، إلا أنه اقتطع لنفسه مساحة كبيرة لتثبيت أركان حكمه، عبر إعلان دستوري منحه مطلق الصلاحيات، وترافق مع دفع اقتصادي تمثّل بتجميد بعض العقوبات الأوروبية والأميركية والبريطانية المفروضة على سوريا.
على أن أساس المعضلة التي تعكّر على الشرع صفو تثبيت أركان حكمه، يتمثّل بهيكلية إدارته نفسها، والتي يملك فيها المتشددون الكلمة العليا، على الرغم من محاولة الاستعانة ببعض الخبرات البعيدة عن الصبغة الدينية. وبدا هذا الأمر بشكل واضح مع اندلاع مجازر الساحل في السادس من آذار الماضي، وزادت حدّته بعد «الهبة» التي شهدتها الساحات السورية خلال الأيام الماضية على خلفية انتشار تسجيل صوتي مسيء إلى النبي محمد، تمّ نسبه إلى أحد رجال الدين الدروز، وهو ما نفاه الرجل، لتبدأ بعدها موجة عنف ذات خلفية طائفية أيضاً، يشكّل الدروز هذه المرة ضحيتها، بعد أن عانى العلويون ويلاتها.
يمتلك الدروز قدرة قتالية وتسليحاً لا بأس بهما، إلى جانب محاولة إسرائيل توسيع تدخّلها في سوريا بذريعة حمايتهم
وترافق الخطاب الطائفي الذي ارتفعت حدّته، وسط مخاوف من ارتكاب مجازر جديدة في السويداء (ذات الغالبية الدرزية)، مع محاولات بعض الفصائل - والتي من المفترض أنه قد تمّ حلها سابقاً، في إطار إعادة هيكلة وزارة الدفاع، وبناء جيش سوري جديد -، دخول مدينة جرمانا وحي أشرفية صحنايا الدرزييْن، قرب دمشق، وسط هتافات تنادي بقتل الدروز، بحجة الرد على الإساءة إلى النبي. غير أن سكان المنطقتين، المسلحين بطبيعة الحال، والذين يملكون لجاناً شعبية قامت بحماية المنطقتين طيلة سنوات الحرب السورية، تمكّنوا من منع المسلحين من تحقيق هدفهم، ليسقط العشرات بين قتيل وجريح من الطرفين، بينهم 16 عنصراً من «الأمن العام» الذي قال إنه تدخّل لفض الاشتباك.
وعلى عكس العلويين الذين لم يكونوا مسلحين، ولم تقف وراءهم أي قوة إقليمية أو دولية، يمتلك الدروز قدرة قتالية وتسليحاً لا بأس بهما، إلى جانب محاولة إسرائيل توسيع تدخلها في سوريا بذريعة حمايتهم، وهو ما أعلنوا مراراً رفضهم له، وسط ضغط إسرائيلي مستمر لإنشاء نظام فيدرالي في سوريا، يمتلك فيه الدروز «فيدرالية» خاصة جنوبي البلاد، بشكل بتوافق مع الرغبة الكردية في فدرلة الشمال الشرقي.
وفي خضمّ تبلور هذه المشاريع، جاء إعلان رجل الأعمال السوري، وابن خال الرئيس السابق، رامي مخلوف، عن تشكيل مسلح يضم 150 ألف مقاتل، للدفاع عن العلويين المضطهدين، على حد تعبيره، ليرسّخ المساعي المطالبة بفدرلة البلاد، عبر حديث «مقاطعة الساحل»، أو الغرب السوري باعتباره كتلة منفصلة عن سوريا. وعلى الرغم من عدم وجود أرضية واضحة يمكن بناء فيدرالية ساحلية عليها، يأتي إعلان مخلوف مدعوماً باستمرار الانتقاد الدولي (الروسي والأميركي على وجه الخصوص) لعمليات القتل الطائفية، وعدم معاقبة الفاعلين، إلى جانب الرفض المعلن لوجود المقاتلين الأجانب، والذين يشكّلون إحدى أهم ركائز الشرع في توطيد حكمه.
وفي محاولة لاختراق الضغوط المتراكمة، والأحداث المتسارعة، والتي استغلتها إسرائيل لشن اعتداءات جديدة على الأراضي السورية، برّرتها باستهداف مقاتلين حاولوا دخول أشرفية صحنايا، خرج أخيراً مفتي سوريا، أسامة الرفاعي، في خطاب موجّه إلى الشعب، شدّد فيه على حرمة الدم السوري، ودعا إلى «وأد الفتنة». واستجلب عليه ذلك انتقادات واسعة من ناحية المطالبين بفتوى حرمة الدم، واتهامات من قبل الجماعات المتشددة، ومؤيديها، والذين اعتبروا هذه الفتوى سياسية لا دينية، في ظل وجود عشرات الفتاوى التي تكفّر العلويين والدروز، والذين يرغب المتشددون في التخلص منهم.
وفي وجه هذه التعقيدات، تجد تركيا، الشريك الاستراتيجي للشرع، والتي تحاول استثمار نفوذها في الملف السوري بأقصى درجة ممكنة، نفسها أمام محدّدات عديدة تمنعها من توسيع نفوذها، أبرزها الموقف الإسرائيلي الرافض لهذا النفوذ، إلى جانب توسّع الدور الفرنسي من بوابة محاولة الإدارة الأميركية التي لا تمانع سيطرة تركيا على سوريا، تخفيض حضورها.
وفي الوقت الحالي، يمكن اختصار المشهد الميداني السوري وتعقيداته بملامح انقسامات رئيسية: في الشرق والشمال الشرقي يسعى الأكراد، المدعومون من فرنسا والولايات المتحدة، لإقامة نظام فيدرالي؛ وفي الغرب تحاول بعض القوى بلورة فيدرالية، لا يمكن التماس أساس واضح لها؛ وفي الجنوب، تحتل إسرائيل مساحات واسعة وتشرف على درعا والسويداء، وتدفع نحو إقامة نظام فيدرالي.
ويأتي هذا في وقت تعلن فيه القوى الموجودة في السويداء (السياسية والعسكرية)، وعلى رأسها الشيخ حكمت الهجري، رفض الحكومة السورية القائمة، وتدعو إلى إقامة حكومة تعدّدية تمثّل جميع السوريين تمهيداً للانخراط فيها، على وقع تصعيد مستمر يستشعر معه أبناء السويداء، والدروز الموجودون في دمشق وحمص وحتى حلب، خطراً وجودياً، ولا سيما في ظل تصاعد الخطاب الطائفي، وارتفاع حدّة المواجهات والاحتكاكات، واستمرار الحالة الفصائلية، وفشل وزارة الدفاع في دمج هذه الفصائل ضمن هيكلية مؤسساتية واضحة.
كذلك، يمكن اختصار المشهد السياسي بصراع إقليمي، دولي، على النفوذ في سوريا، تتصارع خلاله تركيا وقطر والسعودية وإسرائيل والإمارات وفرنسا، فيما تعمل الولايات المتحدة، التي ترتبط بجميع هذه القوى بعلاقات متينة، على فرض أجندتها، مستهدفة بشكل أساسي إحدى ركائز حكم الشرع، أي المتشدّدين.
