انخفاض جسيم في مياه «الفرات»: تركيا مستمرّة في تعطيش سوريا
لم تكد ستة أشهر تمرّ على تسجيل ارتفاع نسبي في منسوب مياه نهرَي دجلة والفرات، حتى عادت تركيا إلى سياسة خنق الجريان المائي، لتصل مستويات المياه إلى أقل من نصف الكمية المخصّصة لسوريا.


لم تكد ستة أشهر تمرّ على تسجيل ارتفاع نسبي في منسوب مياه نهرَي دجلة والفرات، حتى عادت تركيا إلى سياسة خنق الجريان المائي، لتصل مستويات المياه إلى أقل من نصف الكمية المخصّصة لسوريا. وأعاد هذا التطور تسليط الضوء على النتائج الكارثية لهذه السياسة المستمرة منذ سنوات، وأبرزها شحّ مياه الشرب والسقاية، وتراجع توليد الطاقة في سدود الفرات وتشرين والبعث، والتي تولّد الطاقة الكهرمائية مستفيدة من قوة تدفّق جريان «الفرات»، وانهيار تدريجي في قطاعات الزراعة والخدمات الأساسية.
ويأتي ذلك بالرغم من أن العلاقات السورية - التركية، تعيش واحداً من أفضل أوقاتها، بعد إسقاط النظام السابق، ووصول «هيئة تحرير الشام»، المدعومة من تركيا، إلى الحكم. ويبدو أن استمرار سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) على أكثر من 70% من مجرى نهر الفرات داخل الأراضي السورية، وسيطرتها الكاملة على مجرى نهر دجلة، يُعدّان عاملاً أساسياً في إحجام أنقرة عن سياساتها المائية تجاه سوريا، وحتى العراق الذي يحصل على حصته عبر سوريا.
وإزاء ذلك، تسري معلومات عن محاولات حكومية سورية للضغط على تركيا وإقناعها بتغيير سياساتها المائية، علماً أن اتفاقية تقاسم المياه الموقّعة عام 1987، نصّت على حصة إجمالية تبلغ 500 متر مكعّب في الثانية، تُخصّص 42% منها لسوريا و58% للعراق، ووُثّقت لاحقاً في الأمم المتحدة عام 1994، لضمان أدنى حق للبلدين من النهر. غير أن تركيا استمرّت في خرق بنودها لعدة سنوات منذ بدء الحرب في سوريا عام 2011، ما زاد الشكوك حول محاولتها استثمار هذا الملف لتسليط ضغوط سياسية على البلدين.
الفرات ينحسر: لا كهرباء... ولا زراعة
أدّى تخفيض حصة البلاد من مياه الفرات إلى انقطاع كامل للتيار الكهربائي منذ شهر، بالإضافة إلى انخفاض الكميات المخصّصة لمحافظة الرقة، وسط تقنين في تزويد محافظات حلب والرقة ودير الزور بمياه الشرب، وتقليص الدورات المائية المخصّصة لري المحاصيل الصيفية والشتوية من «الفرات». وفي بيان رسمي، أكّدت «الإدارة العامة للسدود» التابعة لـ«الإدارة الذاتية» أن الوارد المائي انخفض إلى «أقل من 200 متر مكعب في الثانية»، محذّرة من «انخفاض خطير في منسوب بحيرة سد الفرات، حيث بلغ 298.32 متراً فوق سطح البحر، أي بانخفاض يتجاوز 5.5 أمتار عن المستوى الطبيعي».
وأوضحت أن هذا التراجع يعني «نقصاً حاداً» في المخزون المائي يتجاوز 4 مليارات متر مكعّب، ما ينذر بـ«خروج السد عن الخدمة في غضون أسابيع، ما سيؤدي إلى تدمير الزراعة، وتدهور إمدادات الكهرباء ومياه الشرب في المنطقة».
بين رواية المناخ والاتهام السياسي
مع تصاعد الأزمة، وانعكاسها على ملايين المستفيدين من النهر في سوريا والعراق، لجأت كل من تركيا و«الإدارة الذاتية» إلى تبريرات مختلفة منها سياسية وأخرى لها علاقة بعوامل الطبيعة والمناخ، والتي شهدت تغييرات ملحوظة هذا العام، إذ حمّلت «الإدارة الذاتية»، تركيا، مسؤولية «حرمان المناطق السورية من حصتها المائية»، بهدف «التأثير على الواقع الخدمي في مناطق «الإدارة الذاتية» ودفع الأهالي إلى الخروج في تظاهرات احتجاجية على تراجع الخدمات»، فيما تُرجع أنقرة المشكلة إلى «تغيّرات مناخية» تشمل تراجع الهطولات المطرية والثلجية.
أجرى البشير لقاءات غير معلنة، مع مسؤولين أتراك، ناقش فيها إمكانية رفع منسوب تدفق المياه
وإزاء ذلك، يرى معاون مدير الموارد المائية السابق في محافظة الحسكة، والخبير الجيولوجي عزيز ميخائيل، أن «عدة عوامل أسهمت في انخفاض منسوب نهر الفرات، من بينها الجفاف، وتراجع كميات الأمطار والثلوج الهاطلة»، مستدركاً، في حديثه إلى «الأخبار»، بأن «تركيا عملياً هي من تتحكّم بواردات النهر من خلال الكميات الضخمة المخزّنة في السدود، من مثل سد أتاتورك، ما يعني قدرتها على زيادة وتخفيض الوارد المائي وفق إرادتها ومصالحها».
تداعيات اقتصادية واجتماعية
عادة ما تشهد الأراضي المحيطة بنهر الفرات في محافظات دير الزور والرقة وحلب، زراعة مساحات واسعة من المحاصيل الزراعية كالقطن والخُضر الصيفية المتنوعة، إلا أن التقديرات هذا العام، تشير إلى تراجع ملحوظ في المساحات المزروعة في المحافظات الثلاث، وهو ما ستكون له آثار اقتصادية قاسية على المزارعين، خاصة في ظل الاقتصاد المنهار أساساً في البلاد، ما يهدّد بموجات نزوح وهجرة إضافية.
وأكّد المعطيات المشار إليها، تقريرٌ صادر عن «هيئة الزراعة في الإدارة الذاتية» بيّنت فيه أن «نسبة الأراضي الزراعية انخفضت هذا العام بنسبة 37% مقارنة بالموسم السابق، مع تزايد الأراضي البور وتملّح التربة في بعض المناطق». وبالتالي، فإن هذه المؤشرات تنبئ بحالة من هجْر السكان للزراعة - التي تشكّل مصدر الدخل الرئيسي لهم -، وربما لاحقاً ترك العوائل لسرير نهر الفرات بحثاً عن رزقها، الأمر الذي يهدّد بموجة تغيير ديموغرافي في المنطقة، في حال استمرت تداعيات الجفاف وانخفاض منسوب «الفرات».
هل من حلول؟
فيما لا يبدو أن ثمة خيارات كثيرة متاحة أمام دمشق و«الإدارة الذاتية»، في ظل سيطرة تركيا المطلقة على مفاتيح الملف المائي، يرى ميخائيل أن «الواقع الحالي لنهر الفرات يشهد انخفاضاً في الوارد المائي وصل إلى كميات تتأرجح بين 250 و300 متر مكعّب في الثانية بما في ذلك حصة العراق، أي إنها لا تتجاوز الـ100 متر مكعّب في الثانية، وهي كمية قليلة جداً». وإذ يطمئن إلى أن «السدود لن تخرج عن الخدمة في المدى القريب»، فهو يحذّر من أن «استمرار الانخفاض سيجعل هذا السيناريو موجوداً في المستقبل».
ويضيف أن ««الحل بيد تركيا التي تحبس كميات هائلة من نهر الفرات في سدودها التي بنتها على امتداد جريان النهر في الأراضي التركية»، داعياً الحكومة السورية إلى «توظيف العلاقات الإيجابية المستجدّة مع أنقرة للضغط من أجل إطلاق كميات إضافية من المياه، كمدخل لتحسين الواقع الخدمي والاقتصادي في البلاد».
وفي السياق نفسه، سرّبت مصادر متعدّدة أنباء حول لقاءات غير معلنة أجراها وزير الطاقة السوري، محمد البشير، مع مسؤولين أتراك خلال زيارته الأخيرة لأنقرة، ناقش فيها إمكانية رفع منسوب تدفّق المياه من السدود التركية على نهر الفرات، بما ينعكس على واقع الكهرباء والزراعة ومياه الشرب في الشمال السوري، ويؤثّر إيجاباً في الأوضاع الاقتصادية للمزارعين.
