اجتماع أنطاليا يبصم على التحول السوري: الأولوية لـ«السلام» مع إسرائيل
لم يخرج الاجتماع الثلاثي على مستوى وزراء خارجية الولايات المتحدة ماركو روبيو، وتركيا حاقان فيدان، وسوريا أسعد الشيباني، عمّا تم رسمه في اللقاء القصير الذي جمع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بالرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، برعاية سعودية، ف


لم يخرج الاجتماع الثلاثي على مستوى وزراء خارجية الولايات المتحدة ماركو روبيو، وتركيا حاقان فيدان، وسوريا أسعد الشيباني، عمّا تم رسمه في اللقاء القصير الذي جمع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بالرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، برعاية سعودية، في الرياض، بعد ساعات من إعلان ترامب عزمه رفع العقوبات التي تفرضها بلاده على سوريا. وأحال الاجتماع الذي تم إقراره خلال لقاء ترامب بالشرع، وحضره الرئيس التركي رجيب طيب إردوغان من بعد، وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الاتفاق على خطوات التطبيع بين دمشق وواشنطن إلى اجتماع وزراء الخارجية، على هامش اجتماع وزراء خارجية «الناتو» في أنطاليا التركية.
وسبقت الاجتماع توضيحات من وزارة الخزانة الأميركية حول الآلية التي سيتم عبرها رفع العقوبات المفروضة على سوريا، والتي تتطلب دراسة وعملاً قد يمتدان لأسابيع، في ظل وجود عقوبات تم فرضها بموجب تشريعات يحتاج رفعها إلى قرار من الكونغرس، ما قد يدفع الرئيس الأميركي إلى إصدار تراخيص مبدئية لتجاوز العقبة التشريعية تلك.
وأوضح المتحدث الإقليمي باسم وزارة الخارجية الأميركية، مايكل ميتشل، في تصريحات تلفزيونية، أن بلاده ستقيّم الحكومة السورية الجديدة بناءً على أفعالها لا أقوالها، معيداً التذكير بشروط البيت الأبيض المتعلقة بالتخلص من الإرهابيين والترسانة الكيماوية، إلى جانب ضمان تمثيل الحكومة السورية لجميع فئات المجتمع، وفق تعبيره. كما شدّد على أن أمن إسرائيل وجيران سوريا مسألة أساسية للولايات المتحدة، قائلاً: «نحن نأخذ المخاوف الإسرائيلية على محمل الجد، وسنواصل العمل المشترك لتأمين حدود إسرائيل والمنطقة بشكل عام»، وفق تعبيره.
وبدوره، أعلن وزير الخارجية الأميركي، في مؤتمر صحافي عقب الاجتماع الثلاثي، أن «قادة دمشق الجدد يريدون السلام مع إسرائيل»، وقال إن بلاده ستعمل ما في وسعها لتحقيق ذلك، مضيفاً أن سوريا على أبواب مرحلة تاريخية، وفق تعبيره، في حين ذكرت الخارجية السورية أن الشيباني ناقش مع نظيره الأميركي سبل تطوير العلاقات بين البلدين. وإذ لم يتسرّب الكثير عمّا ناقشه الوزراء، لم تخرج التصريحات والتلميحات التي تلت اجتماع هؤلاء، عن سياق ما يتم التحضير له؛ إذ لا تزال واشنطن تركّز على أمن إسرائيل وتريد إخراج المسلحين الأجانب من سوريا. أما تركيا، التي غادر وزير خارجيتها الاجتماع بعد نحو نصف ساعة على عقده، فلا تزال تتابع مساعيها لإنهاء «الإدارة الذاتية» الكردية، والدفع نحو خروج القوات الأميركية من سوريا، عبر تشكيل تحالف إقليمي تحت مسمى «محاربة الإرهاب»، بقيادتها، يضم العراق والأردن وسوريا.
وبموازاة ذلك، تحاول الإدارة السورية الجديدة الحصول على اعتراف أميركي صريح بشرعيتها، بأيّ ثمنٍ كان، وتصب تركيزها بشكل أساسي على الجانب الاقتصادي، الذي تعتمد عليه في ترسيخ سلطتها، الأمر الذي عبّر عنه الشرع في كلمة وجّهها إلى الشعب السوري، بعد لقائه ترامب، شكر خلالها معظم الدول العربية، وعلى رأسها السعودية وقطر، بالإضافة إلى تركيا، داعياً إلى استقطاب المستثمرين.
أعلنت فرنسا بدء مهمات القائم بأعمالها في سوريا، جان باتيست فافر
وفي وقت لم تتحدث فيه الإدارة الجديدة عن أي ملامح واضحة لآلية تنفيذ المطلب الأميركي المتعلق بإخراج المقاتلين الأجانب، والذين يحاول الشرع منحهم الجنسية، بات اهتمامها ينصبّ بشكل واضح على توسيع قنوات التواصل مع إسرائيل، بوساطة إماراتية، ودفع بحريني غير مباشر، أثمر إجراء لقاءات مباشرة بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين في أبو ظبي، في حين سربت وسائل إعلام إسرائيلية معلومات عن زيارة أجراها وفد سوري إلى تل أبيب، من دون الإفصاح عن فحوى ما ناقشه الوفد.
وبينما تظهر واشنطن استعجالاً في تطبيق قرار تعليق العقوبات المفروضة على سوريا، تكشف الآلية التي سيتم اتباعها، والتصريحات التي تؤكد حرصها على الاطلاع على المستجدات على الأرض، عن إصرار أميركا على ربط هذه الإعفاءات، والتي ستكون في البداية مؤقتة، بالخطوات التي ستتخذها الحكومة السورية، وعلى رأسها ما يرتبط بـ«أمن إسرائيل»، التي احتلت مناطق واسعة في الجنوب بعد سقوط نظام بشار الأسد، وقامت بتدمير معظم قدرات الجيش السوري.
وبموازاة الخطوات التطبيعية الأميركية، يدرس الاتحاد الأوروبي وثيقة جديدة لتخفيف مزيد من العقوبات المفروضة على سوريا، في محاولة لمواكبة واشنطن. وتتضمّن الوثيقة التي أعلنت عنها مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، والتي تحمل تاريخ 14 أيار (اليوم نفسه الذي التقى فيه ترامب الشرع)، سماح الاتحاد الأوروبي للدول الأعضاء بتوفير التمويل لوزارتي الدفاع والداخلية السوريّتين للتعاون في مجالات إعادة الإعمار وبناء القدرات ومكافحة «الإرهاب» والهجرة، بالإضافة إلى المساهمة في تدمير الأسلحة الكيماوية السورية، ورفع العقوبات عن البنك التجاري السوري.
إلى جانب ذلك، أعلنت فرنسا بدء مهمات القائم بأعمالها في سوريا، جان باتيست فافر، الذي وصل إلى دمشق، أمس، في اتساق فرنسي مع التوجهات الأميركية، واستكمالاً لمحاولات باريس التي استضاف رئيسها إمانويل ماكرون، الشرع، حجز مساحة نفوذ في سوريا الجديدة. وأشار القائم بالأعمال الفرنسي، والذي كان يشغل منصب سفير بلاده في قطر منذ عام 2021 حتى تعيينه في دمشق، إلى أنه حمل معه رسالة من ماكرون تؤكد مساعي بلاده لإقناع «الشركاء» برفع العقوبات المفروضة على سوريا، معرباً عن ترحيب بلاده بالخطوة التي اتخذها ترامب.
