«هيكلية أمنية» غامضة... ومعالم حكومة عميقة: «العدالة الانتقالية» تستثني مجرمي المعارضة
في إطار مساعيها لبناء هيكلية أمنية وعسكرية جديدة في سوريا، بعد انهيار مؤسسات الدولة عقب سقوط نظام بشار الأسد، كشفت الحكومة السورية عن آلية جديدة تمّ خلالها تقسيم البلاد إلى 5 قطاعات أمنية أساسية، في وقت حدّد فيه وزير الدفاع مدة 10 أيام أخيرة لانضمام ما تبق


في إطار مساعيها لبناء هيكلية أمنية وعسكرية جديدة في سوريا، بعد انهيار مؤسسات الدولة عقب سقوط نظام بشار الأسد، كشفت الحكومة السورية عن آلية جديدة تمّ خلالها تقسيم البلاد إلى 5 قطاعات أمنية أساسية، في وقت حدّد فيه وزير الدفاع مدة 10 أيام أخيرة لانضمام ما تبقّى من فصائل عسكرية إلى هيكلية الوزارة.
وتضمّنت الهيكلية الجديدة لوزارة الداخلية، تقسيم المناطق إلى: المنطقة الشرقية (الحسكة، الرقة، دير الزور)، والمنطقة الشمالية (حلب، إدلب)، والمنطقة الساحلية (اللاذقية، طرطوس)، والمنطقة الوسطى (حمص، حماة)، والمنطقة الجنوبية (دمشق، درعا، السويداء، القنيطرة)، على أن يدير كل قطاع معاونٌ لوزير الداخلية، يقوم بإدارة أقسام الشرطة، وقوات «الأمن العام».
واللافت في إعلان الوزارة إشارتها إلى التعاون مع وزارات داخلية السعودية وقطر وتركيا، في إطار عملية الهيكلية هذه، والتي تضمّنت أيضاً إنشاء جهازين أمنيين يتبعان للرئاسة بشكل مباشر: الاستخبارات العامة، ومخابرات الأمن القومي، الأمر الذي يضيف إلى حكم الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، بعداً أمنياً عميقاً من شأنه تجذير حكمه.
وجاءت الهيكلية الجديدة بالرغم من خروج مناطق عديدة عن سيطرة السلطات، بينها مناطق سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، التي لا تزال تخوض في تفاصيل اتفاقية شاقّة للانضمام إلى الحكومة السورية، بالإضافة إلى السويداء، التي تمّ منحها حالة شبيهة بالحكم الذاتي، في وقت تقع فيه مساحات واسعة في الجنوب تحت سيطرة الاحتلال.
وبالتوازي مع إعلان الداخلية، نشر وزير الدفاع، مرهف أبو قصرة، في أول ظهور له على موقع «أكس»، ما يشبه البيان حول «الانتهاء من انضمام الفصائل» إلى وزارته، مع منح 10 أيام لتلك غير المنضمّة، لإتمام الانضمام قبل اتخاذ «إجراءات قانونية بحقها».
ولم يتطرّق إعلان وزير الدفاع، - الذي لم يحمل أي جديد باعتبار أن وزارته أعلنت سابقاً إتمام هذه العملية، وهو ما تبيّن في ما بعد أنه غير صحيح جراء وجود «فصائل منفلتة»، وفق تعبير السلطات -، أبداً، إلى مصير الفصائل الأجنبية، التي تطلب الولايات المتحدة إخراجها من سوريا. كذلك، لم يتطرّق إلى مصير فصائل السويداء، و«قسد»، الأمر الذي يثير علامات استفهام عديدة حول هذا الإعلان وتوقيته.
يمكن اعتبار المرسوم العشرين، أكبر عملية تبييض للفصائل وماضيها
في غضون ذلك، أصدر الشرع مرسومين بتشكيل «هيئتين مستقلّتين للعدالة الانتقالية والمفقودين»، في إطار محاولة السلطات امتصاص حالة الفوضى الداخلية التي تعاني منها البلاد بحجة عدم تطبيق «العدالة الانتقالية»، ووجود آلاف المفقودين، بالإضافة إلى قوننة هذه العملية ضمن إطار واضح. وتضمّن المرسوم الأول، والذي حمل الرقم 19، تشكيل هيئة مستقلة باسم «الهيئة الوطنية للمفقودين»، وتُعنى بـ«البحث عن مصير المفقودين والمختفين قسراً، وتوثيق الحالات، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية، وتقديم الدعم القانوني والإنساني لعائلاتهم»، وتمت تسمية محمد رضى جلخي رئيساً لها.
والأخير هو أكاديمي سوري يحمل دكتوراه في القانون الدولي عام 2023 من «جامعة إدلب»، وشغل عدة مناصب في مجال التعليم العالي، منها أمين الجامعة المشار إليها. وبعد سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول الماضي، تمّ تعيينه عميداً لكلية العلوم السياسية في جامعة دمشق، كما حصل على عضوية في مجلس الأمناء الجديد لـ«الأمانة السورية للتنمية»، والتي تحوّل اسمها إلى «منظمة التنمية السورية». كما عيّنه الشرع عضواً في اللجنة التي قامت بصياغة الإعلان الدستوري.
أما المرسوم الثاني والذي حمل الرقم 20، فتضمّن تشكيل «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية»، ومهمتها «كشف الحقيقة حول الانتهاكات الجسيمة التي تسبّب فيها النظام البائد ومساءلة ومحاسبة المسؤولين عنها بالتنسيق مع الجهات المعنية، وجبر الضرر الواقع على الضحايا، وترسيخ مبادئ عدم التكرار والمصالحة الوطنية»، وتسمية عبد الباسط عبد اللطيف رئيساً لها.
وعبد اللطيف من مواليد عام 1963، حاصل على إجازة في الحقوق من «جامعة حلب» عام 1986، وشهادة دراسات عليا في العلوم الشرطية والقانونية عام 2008، وشغل منصب مدير منطقة القامشلي، وانشقّ عام 2012، ثم عمل رئيساً للمكتب السياسي لـ«جيش أسود الشرقية»، ونائب رئيس المجلس المحلي لدير الزور في الحكومة السورية المؤقّتة لعام 2018. كما كان عضواً في «الائتلاف» المعارض.
وإذ حدّد المرسوم العشرون، بشكل واضح، أن مهمة الهيئة تدور في فلك ما فعله النظام السابق، فإن ذلك سيعني سقوط جميع الجرائم التي ارتكبتها فصائل وأطراف معارِضة خلال الحرب، في ما يمكن اعتباره أكبر عملية تبييض للفصائل وماضيها.
وإلى جانب ما تقدّم، أصدر الشرع مرسوماً، حمل الرقم 18، تضمّن تغيير اسم «الهيئة العامة للتخطيط والتعاون الدولي»، وتحويلها إلى «هيئة التخطيط والإحصاء»، وحصر التعاون الدولي بوزارة الخارجية التي ستقوم بتشكيل مديريات خاصة تابعة لها في الوزارات والمؤسسات الحكومية مهمتها التنسيق الدولي، في ما يشبه عملية استحواذ كامل من قبل الوزارة التي يترأسها أسعد الشيباني، ثاني أقوى رجل حالياً في الإدارة بعد الشرع، على السلطة، وتأسيس حكومة عميقة داخل الحكومة القائمة.
