رئيس وزراء جديد للسودان: البرهان يعوّم «الحكومة المدنية»
مستفيداً من التعديلات الأخيرة على الوثيقة الدستورية في تشرين الثاني الماضي، والتي منحت رئيس "مجلس السيادة" صلاحيات واسعة، أبرزها حق تعيين وإعفاء رئيس الوزراء بتوصية من السلطة التشريعية الانتقالية المكوّنة من مجلسَي السيادة والوزراء، أصدر رئيس "السيادة"، ال


الخرطوم | مستفيداً من التعديلات الأخيرة على الوثيقة الدستورية في تشرين الثاني الماضي، والتي منحت رئيس "مجلس السيادة" صلاحيات واسعة، أبرزها حق تعيين وإعفاء رئيس الوزراء بتوصية من السلطة التشريعية الانتقالية المكوّنة من مجلسَي السيادة والوزراء، أصدر رئيس "السيادة"، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، مرسوماً دستورياً عيّن بموجبه كامل إدريس الطيب رئيساً للوزراء بصلاحيات كاملة.
ويأتي هذا بعدما ظلّ المنصب شاغراً منذ 25 تشرين الأول 2021، عقب الانقلاب العسكري على السلطة المدنية برئاسة رئيس الوزراء السابق في الحكومة الانتقالية، عبدالله حمدوك. ومنذ ذلك الوقت، تولّى المنصب بالتكليف وزير شؤون مجلس الوزراء عثمان حسين، حتى أقاله البرهان أواخر نيسان الماضي، مكلّفاً سفير السودان في السعودية، دفع الله الحاج، بالمهمة. غير أن الأخير لم يتسلّم مهامه، واستمر في موقعه الدبلوماسي في الرياض.
وبالتزامن مع قرار تعيين إدريس، أصدر البرهان قراراً بإلغاء إشراف أعضاء "مجلس السيادة" على الوزارات والوحدات الاتحادية، في خطوة اعتبرها مراقبون "مؤشراً جيداً" إلى توسيع هامش استقلالية الحكومة المدنية الجديدة، وانعكاساً لجدّية لدى البرهان في منح الأخيرة فرصة للنجاح، بعدما خضع الوزراء المكلّفون، منذ الإطاحة بحمدوك، لسلطة العسكريين في "مجلس السيادة" ومزاجهم. ويبدو أن البرهان، بصفته السلطة الأعلى في البلاد، يعوّل على دعم "المجتمع الدولي" للسلطة المدنية المرتقبة، أملاً في تحقيق مكاسب سياسية، وخصوصاً في ملف العلاقات الخارجية، وعلى رأسها استعادة عضوية السودان المجمّدة في "الاتحاد الأفريقي" منذ أربع سنوات. وفي هذا السياق، رحّب رئيس مفوّضية "الاتحاد"، محمود علي يوسف، بالخطوة، معرباً عن أمله في أن تسهم في استعادة النظام الدستوري والانتقال المدني السلمي للسلطة.
ويواجه رئيس الوزاء الجديد، بحسب محلّلين، تحديات جساماً، في مقدّمتها تشكيل حكومة كفاءات وطنية مستقلة لإدارة المرحلة الانتقالية التي حدّدتها التعديلات بـ39 شهراً، بدءاً من تاريخ نشر هذه الأخيرة في الجريدة الرسمية. ووفق التعديلات الدستورية في شباط 2025، فإن رئيس الوزراء يعيّن الوزراء، بشرط ألّا يتجاوز عددهم الـ26، على أن يوافق "مجلس السيادة" عليهم مسبقاً. ويُستثنى من هؤلاء، وزراء أطراف العملية السلمية (الحركات المسلحة)، والذي تُرك أمر ترشيحهم للجهات التي يتّبعون لها، فيما يُرشَّح وزيرا الداخلية والدفاع من قِبل قيادة القوات النظامية، مع مراعاة تمثيل ولايات السودان.
خاض إدريس السباق الرئاسي مرشّحاً مستقلاً ضد البشير في انتخابات عام 2010
وفي ظلّ هذه الأوضاع المعقّدة، يرى محللون أن أولويات حكومة إدريس يجب أن تصبّ تركيزها على معيشة المواطنين، إلى جانب بلورة رؤية وبرنامج واضحَيْن لإدارة المرحلة. وفي هذا الإطار، يشير المحلل السياسي عادل عبد الرحيم، في حديثه إلى "الأخبار"، إلى أن "تعقيدات المشهد السياسي والاقتصادي والأمني التي تمرّ بها البلاد، نتيجة الاستمرار في دفع تكلفة الحرب التي تدخل عامها الرابع، تضع الحكومة الجديدة أمام تحدٍّ كبير".
ويتحدّث عن "ملفات محورية تنتظر المعالجة، كإعادة تحريك عجلة الاقتصاد، وإعمار المناطق المتأثرة، وعودة الخدمة المدنية إلى سابق عهدها، ولا سيّما في الولايات المتضرّرة من الحرب". كما شدّد على "ضرورة الاهتمام بالخدمات الأساسية من صحّة وتعليم ومياه وكهرباء، وتوفير الأمن، وتفعيل دور الشرطة للحدّ من فوضى السلاح"، لافتاً إلى أن "المرحلة المقبلة تتطلّب خططاً علمية وبرامج مدروسة".
وأثار تعيين إدريس ردود فعل متباينة؛ إذ اعتبرت قوى سياسية أن الخطوة تفتقر إلى الشرعية. وقال القيادي في "التيار الوطني"، نور الدين صلاح الدين، إن أيّ حكومة تُشكَّل في ظلّ المعطيات الراهنة لن تحظى بقبول داخلي أو خارجي، مشدّداً في منشور عبر "فيسبوك"، على "ضرورة دعم حوار سوداني – سوداني حقيقي، والوفاء بتعهّد البرهان في تموز 2022 بخروج القوات المسلحة من الشأن السياسي والتزامها بواجباتها الدستورية".
وبدوره، رأى رئيس "حزب الأمة"، مبارك الفاضل، أن تعيين إدريس جاء على أرضية "الوضع الشمولي" الذي أفرزته التعديلات الدستورية. وفي المقابل، رحّبت "حركة العدل والمساواة" بقيادة جبريل إبراهيم بالخطوة، واعتبرتها، في بيان، إنهاءً لحالة الفراغ التنفيذي التي امتدّت لأكثر من ثلاث سنوات ونصف سنة، وأسهمت في تعقيد الأوضاع الخدمية.
والجدير ذكره، هنا، أن السيرة الذاتية لرئيس الوزراء المعيّن تشير إلى أنه حاصل على شهادة بكالوريوس في القانون من "جامعة الخرطوم"، وبكالوريوس في الآداب من "جامعة القاهرة"، ودكتوراه في القانون الدولي من "المعهد العالي للدراسات الدولية" في "جامعة جنيف". كما شغل عدداً من المناصب في المنظمات الأممية، أبرزها منصب المدير العام لـ"المنظمة العالمية للملكية الفكرية" (ويبو)، خلال تسعينيات القرن الماضي. وليس إدريس حديثاً على الساحة السياسية؛ إذ خاض السباق الرئاسي مرشّحاً مستقلاً ضد الرئيس المعزول عمر البشير في انتخابات عام 2010.
