كابوس الظلام في غزة: لماذا يقصف العدو ليلاً؟
يترك القصف الليلي على المدنيين آثاراً نفسية عميقة، إضافة إلى أن الظلام الدامس الناتج من انقطاع الكهرباء في غزة يعيق عمليات إنقاذ وإسعاف المصابين.


ما إن يسدل الليل ستائره، حتى تستكين النفوس وتخلد إلى نوم عميق. أما في غزة، يتحول ظلام الليل إلى نهار من وهج القذائف الصاروخية، والسكون والهدوء إلى ضجيج مخيف ومرعب، لا يمكن فيه للغزي النوم أو الراحة من عناء الحرب.
كيف أصبح الليل كابوساً؟
من حي الشيخ رضوان، تسرد لينا الناجي (25 عاماً)، في حديث إلى «الأخبار»، كيف أصبح الليل بالنسبة إليها «رعباً وخوفاً وأرقاً، قلقاً وتوتراً وعدم نوم»، إذ تقضي الليل مستيقظة أو شبه نائمة لتطمئن على صغيرها للتأكد من أنه بخير، موضحةً أن «أصوات الانفجارات المرعبة لا يمكن أن تتوقف، خاصة عندما يتم نسف البيوت في بيت لاهيا (بالروبوت المتفجر) فيصيب منزلنا اهتزاز وارتجاج مخيف وكأنه زلزال».
وعن «أقسى ليلة عايشتُها خلال عام وثمانية أشهر من القصف»، قالت لينا إنه «عندما كنا نازحين في منطقة الدرج شرق مدينة غزة، وإذا بوهج أحمر يدخل إلى الغرفة التي كنا ننام فيها، والشبابيك تتطاير فوق رؤوسنا، ظننا حينها أن الاستهداف لنا، لنكتشف بعدها أنه للمنزل الذي يقابلنا، بينما الصاروخ الذي استهدفنا لم ينفجر».
وأول ما يتبادر إلى ذهن الأم العشرينية هو: «هل سأستيقظ أم أنني سأبقى نائمة؟ هل سأفقد طفلي أم أن طفلي سيفقدني؟ وإن قصفنا هل سأموت مباشرة أم سأُترك لساعات طويلة تحت الأنقاض حتى أفارق الحياة»، واصفة الشعور بـ« السيّئ جداً لا يمكن نسيانه في ظل استمرار الحرب».
-
الاحتلال الإسرائيلي يختار توقيت الليل لتنفيذ ضرباته الجوية (أ ف ب)
تجربة مشابهة تسردها رواء الوحيدي (22 عاماً) من تل الهوى، «خاصة في الشهور الأولى من الحرب».
وتقول في حديث إلى «الأخبار»: «ما إن تبدأ الشمس في الغروب حتى نعد أنفسنا ونرتدي ملابس الصلاة ونتجمع في الطابق الأرضي ظناً منا أنه أكثر أماناً من الطابق العلوي»، موضحة أنه «ما إن يعم الظلام في المكان حتى تبدأ أصوات طائرات الاستطلاع والطائرات الحربية تخيم على المكان، لتنهال بعدها الأحزمة النارية بأصواتها المرعبة والمخيفة، حيث تلهج ألسنتنا بالدعاء والاستشهاد».
وتضيف رواء: «أكثر ما يرعبني هو عندما نضطر إلى الخروج من منزلنا لإنقاذ أرواحنا تحت وابل من قذائف دبابات الاحتلال مثلما حدث مع الكثير من الناس الذين يقطنون في بيت لاهيا»، مشيرةً إلى أنه «كلما سمعت صوت الصواريخ ينتابي شعور مخيف بفقدان شخص عزيز عليّ، مثلما يحدث مع الكثير من الغزيين كل يوم».
ولا يختلف حال عبير عبدالله (36 عاماً) عن لينا ورواء، إذ إنها تبقى معظم الليل في حالة الاستيقاظ خوفاً من أي استهداف، نظراً إلى الاستهدافات العشوائية التي تشاهدها كل يوم.
-
الاحتلال الإسرائيلي يختار توقيت الليل لتنفيذ ضرباته الجوية (أ ف ب)
وتقول الأم لأربعة أطفال، في حديث إلى «الأخبار»: «أقضي الليل في التفكير بزوجي الأسير، وأطفالي الذين يلتصقون بي ويحرصون على النوم بجواري خوفاً من أصوات الانفجارات، فضلاً عن تهدئة صغيرتي ريم والتي تستيقظ مع كل استهداف قريب منا».
وتستذكر عبير أصعب ليلة مرت عليها خلال الحرب، عندما بدأ الاحتلال الإسرائيلي بإبادة منطقة الشاطئ التي تقطن فيها، مشيرةً إلى أن «القذائف كانت تنزل علينا من كل اتجاه، مرة من البوارج الحربية وأخرى من الدبابات، وثالثة من طائرات F16، حتى بزغ الفجر ونحن نظن أن أحداً منا لن ينجو من هذه المقتلة».
لماذا يختار العدو الليل؟
بدورها، أوضحت الاختصاصية النفسية والاجتماعية، صابرين الشاعر، أن «الاحتلال الإسرائيلي يختار توقيت الليل لتنفيذ ضرباته الجوية، لبث الرعب النفسي لدى السكان ما يضاعف من حالة الخوف والقلق وعدم الشعور بالأمان»، إضافةً إلى أن «الظلام الدامس الناتج من انقطاع الكهرباء في غزة يعيق عمليات الإنقاذ والإسعاف، ما يزيد من عدد الضحايا ويصعّب تقديم المساعدة للمصابين».
-
الاحتلال الإسرائيلي يختار توقيت الليل لتنفيذ ضرباته الجوية (أ ف ب)
وقالت، في حديث إلى «الأخبار»، إنّ «القصف الليلي على المدنيين يترك آثاراً نفسية عميقة، تتجلى في: اضطرابات النوم ونوبات الهلع والقلق، والشعور المتواصل بعدم الأمان»، لافتةً إلى أن «الكثير من السكان الغزيين خاصة الأطفال يعانون من صعوبة النوم، وأرق مزمن، وكوابيس متكررة».
وبحسب الشاعر، فإنّ التأثيرات النفسية للقصف الليلي على الأطفال تتجلى في أعراض جسدية كالتشنجات العضلية والتبول اللاإرادي نتيجة للضغط النفسي الشديد، كذلك سلوكيات عدوانية أو انسحابية كرد فعل على الصدمات النفسية، ما يؤدي إلى صعوبات في التعلّم والتركيز.
