غضب مصري على «إغاثة غزة»: خطةُ تهجير ضمنية

القاهرة | مع بروز الأزمة التي تتعلق بآلية توزيع المساعدات داخل قطاع غزة عبر ما يُعرف بـ«مؤسسة إغاثة غزة»، وما خلّفته من مشاهد تدافع وفوضى وعنف في محيط مراكز التوزيع، كما حدث خلال اليومين الماضيين - حيث أصيب عشرات الفلسطينيين بجروح، غالبيتهم نتيجة إطلاق نار من جيش الاحتلال -، دعت مصر، إسرائيل، إلى إبعاد مراكز توزيع المساعدات الإنسانية عن حدودها، كما حذّرت من التداعيات التي قد تنجم عن تمركز آلاف الفلسطينيين في مناطق قريبة من معبر رفح والحدود المصرية - الفلسطينية.
وبحسب مصادر مصرية، فإن الطلب المصري لم يأتِ على خلفية أسباب إدارية أو لوجستية فقط، بل «جاء مدفوعاً باعتبارات استراتيجية وأمنية وسيادية، تعكس قراءة دقيقة لطبيعة ما يجري على الأرض، وتستبطن في الوقت نفسه شكوكاً في أن الآلية الحالية ليست بريئة من الأهداف السياسية البعيدة المدى»، إذ ترى القاهرة أن الخطة التي يدّعي القائمون عليها سعيهم لتخفيف المعاناة الإنسانية لأهالي القطاع، هي في الأساس «عملية ضغط ممنهجة على السكان، ستؤدي بمرور الوقت إلى تغيير في أنماط الإقامة والتنقل والتجمع داخل غزة»، وأن «توزيع المساعدات في نقاط محددة، يفرض على الأهالي التحرك نحو تلك النقاط مهما كانت المخاطر».
تجري مصر اتصالات مع الأمم المتحدة وشركاء دوليين لتأكيد رفضها آلية المؤسسة بالكامل
وعلى هذه الخلفية، تعتبر مصر أن الآلية الحالية هي «وسيلة» لدفع الحركة السكانية نحو الجنوب، وتحديداً نحو المناطق القريبة من حدودها، ما يهدّد بتحويل بعضها إلى «مراكز استقرار مؤقّت» قد تتحول بمرور الوقت إلى «تجمعات دائمة». وفي هذا السياق، تتخوّف القاهرة من محاولة إسرائيلية لـ«دفع السكان نحو سيناء، أو على الأقل خلق واقع ديموغرافي جديد يُمكن استثماره، في وقت لاحق، سياسياً - في ظل تدمير واسع للبنية التحتية وعدم وجود أفق سياسي واضح -، من خلال تشكيل ضغط على مصر لتحمّل عبء الأزمة، سواء بشكل مباشر أو عبر منظمات دولية»، الأمر الذي تعتبره القاهرة «خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه»، وفقاً للمصادر. كما تؤكد مصر أن «تجربة اقتحام أهالي القطاع للحدود المصرية لن تتكرر مجدداً تحت أي ظروف، بالرغم من التعليمات الأمنية بعدم إطلاق الرصاص على أي فلسطيني».
ومن هذا المنطلق، طالبت مصر، على الأقل، بـ«رفع عدد نقاط التوزيع بشكل عاجل لتفادي التجمعات البشرية الكبيرة في مواقع محدّدة، خصوصاً قرب الحدود الجنوبية»؛ علماً أن تركيز المساعدات قرب الجنوب، وتحديداً قرب معبر كرم أبو سالم وفي مناطق قريبة من رفح، يتقاطع مع التصريحات الإسرائيلية التي تتحدّث عن «تطهير شمال القطاع من البنية التحتية لحماس»، و«توفير ملاذات آمنة للمدنيين في الجنوب».
ولعلّ مما يزيد من قلق القاهرة، الدور المتنامي لـ«مؤسسة إغاثة غزة»، والتي تتحفّظ مصر على نقل المساعدات إليها، نظراً إلى أنها تُموّل وتُدير عمليات التوزيع بدعم أميركي وإسرائيلي، بعيداً من القنوات التقليدية المعروفة، من مثل وكالة «الأونروا» و«برنامج الغذاء العالمي»، الأمر الذي يفتح الباب أمام تحويل الدعم الإنساني إلى أداة ضغط سياسي لفرض وقائع ديموغرافية جديدة. وفي هذا السياق، تجري مصر اتصالات مع الأمم المتحدة وشركاء دوليين لتأكيد رفضها هذه الآلية بالكامل، باعتبارها تشكّل خطراً إنسانياً وأمنياً، في وقت طالبت فيه الأمم المتحدة بالتمسك بدورها، ورفض أي محاولات لتقليصه لصالح جهات داعمة للطرف الإسرائيلي، وفقاً لمصادر دبلوماسية.

