تفعيل اتفاق الشيخ مقصود: واشنطن تستكمل انسحابها من دير الزور
بعد تحرّكات عسكرية متناقضة خلال الشهرين الماضيين، شملت سحب عناصر عسكريين وتعويضهم بآخرين، وتنفيذ تدريبات بالذخيرة الحية بمشاركة «قسد»، وعمليات دهم واعتقال استهدفت عناصر متهمين بالانتماء إلى تنظيم «داعش»


بعد تحرّكات عسكرية متناقضة خلال الشهرين الماضيين، شملت سحب عناصر عسكريين وتعويضهم بآخرين، وتنفيذ تدريبات بالذخيرة الحية بمشاركة «قسد»، وعمليات دهم واعتقال استهدفت عناصر متهمين بالانتماء إلى تنظيم «داعش»، استكمل «التحالف الدولي» انسحابه شبه الكامل من قواعده العسكرية في دير الزور، تطبيقاً لقرار «البنتاغون» خفض عدد القوات الأميركية من ألفي عنصر إلى أقل من ألف. وشهد أمس انسحاب أرتال عسكرية تابعة لـ«التحالف» من اثنتين من أكبر قواعده في شمال وشرق سوريا، هما: معمل غاز كونيكو، وحقل العمر، في ريفَي دير الزور الشمالي والشرقي، بالإضافة إلى نقطة تمركز صغيرة قرب بلدة الباغوز على الحدود مع العراق.
وهكذا، جاءت تحركات الانسحاب الأميركي بطيئة نسبياً، ومتأخّرة؛ إذ لم تبدأ عملياً إلا قبل أسبوعين من الآن، الأمر الذي يعكس حالة من التردّد الأميركي في تطبيق قرار تقليص عدد القوات، خصوصاً في ظلّ النشاط المتنامي لخلايا تنظيم «داعش» في مناطق سيطرة كل من «قسد» والحكومة السورية على حدّ سواء. وفي السياق، نقل «المرصد السوري لحقوق الإنسان»، عن مصادر قولها إن «عملية الانسحاب الأميركي بدأت في 18 أيار الماضي، قبل أن تتسارع خلال اليومين الأخيرين»، مشيراً إلى «رصد أرتال أميركية تضم عربات مصفّحة ومعدات لوجستية تغادر مواقعها في حقل العمر ومعمل غاز كونيكو، وسط تحليق مكثّف لطيران التحالف الدولي».
من جهتها، أكّدت مصادر ميدانية، في حديثها إلى «الأخبار»، أن «قوات التحالف أخلت بالفعل قاعدة معمل غاز كونيكو، أو ما تُعرف بقاعدة الفرات، مع الإبقاء على قوة صغيرة في قاعدة العمر، أو ما يُعرف بالقرية الخضراء، وسط توقعات بإخلائها الكامل أيضاً». وكشفت المصادر أن «قسد» أرسلت «وحدات من قوات الكوماندوس الخاصة لتعويض الفراغ الأميركي، في ظل خشية كردية من تنامي هجمات داعش في المناطق التي شهدت انسحاباً أميركياً»، مبيّنةً أن «جزءاً من القوات الأميركية المنسحبة تمركز في مدينة الشدادي جنوب محافظة الحسكة، على بعد نحو 100 كلم من قاعدة كونيكو، بهدف تقديم الدعم الاستخباراتي واللوجستي لقسد في حملاتها الأمنية ضد خلايا التنظيم».
رجّحت مصادر أن تكون عملية التبادل قد شملت أكثر من 400 عنصر من الطرفين
كما لفتت المصادر إلى «استمرار تحليق الطيران المروحي كنوع من التحذير المعنوي لعناصر داعش من أي تصعيد محتمل في ريف دير الزور»، مرجّحة أن «تكتفي واشنطن بهذا القدر من الانسحاب في الوقت الراهن، ولمدة قد تصل إلى ثلاثة أشهر على الأقل، لمراقبة تطورات الوضع ميدانياً». ويأتي هذا وسط احتمال «تقليص إضافي لعدد القوات الأميركية قبل نهاية العام ليصل إلى نحو 500 عنصر، وهو ما يعادل ربع العدد الذي كان موجوداً قبل سقوط نظام الأسد»، بحسب المصادر. وأضافت: «هذا العدد سيُبقيه الأميركيون إلى حين ضمان تأمين سجون ومخيمات عناصر وعوائل عناصر تنظيم داعش في سوريا، أو تفكيكها وإخلائها بالكامل، وفقاً لمسار الاتفاق بين الحكومة وقسد».
من جهة أخرى، شرعت اللجان المكلّفة من قِبل السلطات الانتقالية و«قسد»، أمس، في تطبيق بنود التفاهمات التي تمّ التوافق عليها في الجولة الرابعة من المفاوضات بين الطرفين، بعد تجميد وتعثّر استمرا لأكثر من شهر، وسط معطيات عن ضغوط أميركية على الجانبين للإسراع في تنفيذ اتفاق 10 آذار، الموقّع بين الرئيس الانتقالي أحمد الشرع والقائد العام لـ«قسد» مظلوم عبدي. وبالفعل، بدأ التنفيذ العملي بالتحضير لعملية تبادل للأسرى والمحتجزين والجرحى ورفات القتلى بين الجانبين، وذلك في حي الشيخ مقصود، إلى جانب استكمال انتشار وحدات من قوات الأمن التابعة للطرفين، بهدف ضبط الأمن في حيَّي الشيخ مقصود والأشرفية، وإخضاعهما إدارياً لمجلس مدينة حلب الحكومي، بما يتيح تقديم الخدمات العامة للسكان.
وفي هذا السياق، رجّحت مصادر مطّلعة على مسار تنفيذ الاتفاق، في حديثها إلى «الأخبار»، أن تكون عملية التبادل قد شملت أكثر من 400 عنصر من الطرفين، في ما يُعدّ أكبر عملية تبادل منذ سقوط نظام الأسد، وتوقيع اتفاق 10 آذار بشأن دمج «قسد» في مؤسسات الدولة السورية. وأكّدت المصادر أن «عملية التبادل تمّت بالفعل، بالإفراج عن 178 عنصراً من "قسد"، بينهم 8 نساء من وحدات حماية المرأة، مقابل إطلاق سراح 250 عنصراً من الأمن العام والجيش الوطني المدعوم تركياً»، موضحة أن «إتمام الصفقة أنهى أحد البنود الأساسية للاجتماع الذي عُقِد أول أمس (الأحد)، بين وفدَيْ لجان الإدارة الذاتية والحكومة السورية».
ورجّحت المصادر أن «تسمح الإدارة الذاتية بخروج الدفعة الأولى من السوريين المقيمين في مخيم الهول، ممّن ينحدرون من مناطق سيطرة الحكومة، بالإضافة إلى تبادل للجثث بين عناصر قسد والجيش الوطني إثر معارك سد تشرين»، لافتة إلى أن «هناك ضغوطاً أميركية على كل من دمشق وقسد بهدف تسريع تطبيق اتفاقية 10 آذار، والتوصل إلى نقاط للتفاهم، ومنع حصول أي حالة اشتباك بين الطرفين». واستبعدت أن «يكون هناك توافق قريب، بسبب استمرار القضايا الخلافية المتعلقة باللامركزية وآلية انضمام قسد إلى الجيش»، معتبرة أن «واشنطن ستلعب دوراً حاسماً في معرفة شكل الحكم الجديد، وتمرير اللامركزية وخصوصية قسد في الاتفاق».
