
للمرة الأولى في عهد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وللمرة الخامسة منذ بدء العدوان على غزة، عادت الولايات المتحدة إلى استخدام حق النقض «الفيتو» في مجلس الأمن الدولي بوجه مشروع قرار لوقف إطلاق النار في قطاع غزة. واستُبقت جلسة التصويت على مشروع القرار، والتي عُقدت الأربعاء في مبنى الأمم المتحدة في نيويورك، ببيان مشترك صادر عن الأعضاء العشرة غير الدائمين في المجلس - ألقاه سفير سلوفينيا لدى المنظمة الدولية، صموئيل زبوغار -، أوضح أنّ مسوّدة القرار المذكور «تعكس إجماع جميع أعضاء المجلس على ضرورة وقف الحرب في غزة فوراً»، وضمان «عدم تجويع المدنيّين في غزة»، وأنّ المسوّدة تتضمن الدعوة إلى «وقف فوري وغير مشروط ودائم لإطلاق النار في غزة»، إلى جانب «الإفراج عن جميع الأسرى المحتجزين لدى حماس والفصائل (الفلسطينية) الأخرى»، و«رفع كافة القيود» على دخول المساعدات الإنسانية إلى القطاع.
واشنطن: إدانة الأمم المتحدة بدلاً من إسرائيل
قبل عرض مشروع القرار على التصويت، حاولت المندوبة الأميركية، دوروثي شيا، تبرير موقف بلادها الرافض لاعتماده، داعيةً أعضاء مجلس الأمن إلى الضغط على حركة «حماس» للقبول بالمقترحات الأميركية حول تبادل الأسرى ومستقبل الوضع في غزة، مؤكّدة أنّ واشنطن «لن تدعم أي إجراء لا يدين حركة حماس ولا يدعو إلى نزع سلاحها ومغادرتها قطاع غزة»، من دون أن تنسى التذكير بأنّ «الولايات المتحدة اتّخذت موقفاً بالغ الوضوح منذ بدء هذا الصراع، وهو أنّ لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها، بما في ذلك هزيمة حماس وضمان عدم عودتها إلى وضع يهدّد إسرائيل»، على حد قولها. وتابعت شيا أنّ «أي إجراء يقوّض أمن حليفنا الوثيق إسرائيل هو أمر مرفوض تماماً»، زاعمةً أن مشروع القرار المقترح من شأنه أن يعرقل الجهود الدبلوماسية الرامية إلى التوصل إلى وقف لإطلاق النار «يعكس الحقائق على الأرض»، بحسب قولها.
وبعد التصويت، جادلت شيا، بنبرة لا تخلو من التحدّي، بأنّ ما جرى «لا ينبغي أن يكون مفاجئاً»، معربة عن اعتقادها بأنّ خلفيّة عرض مشروع القرار الأممي الجديد على التصويت «مخزية»، و«ترمي إلى استدراج (واشنطن) إلى استخدام حق النقض»، في إشارة إلى انزعاج إدارة دونالد ترامب من وضعها في مواجهة الإجماع الدولي.
والموقف نفسه، عاد وتبنّاه وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، حين أكّد أنّ «الولايات المتحدة ستواصل وقوفها إلى جانب إسرائيل»، مشدّداً على ضرورة «ضمان ألّا يكون لحماس أو لغيرها من التنظيمات الإرهابية أي مستقبل في غزة»، وفق تعبيره، داعياً الأمم المتحدة «أن تعود إلى هدفها الأصلي المتمثّل بتعزيز السلام، والكف عن هذه الأفعال الاستعراضية». واستغرق روبيو في ممالأة إسرائيل، موضحاً، في بيان، أنّ رفض واشنطن للمقترح الأممي يُعد «رسالة قوية ضد إجراء غير مُجدٍ حول غزة، ويساوي بشكل خاطئ بين إسرائيل وحماس»، كما قال.
توالت الانتقادات الدولية للولايات المتحدة مع استخدامها «الفيتو» بوجه مشروع القرار الجديد حول غزة
ومن جهته، أعرب مندوب كيان الاحتلال الدائم لدى الأمم المتحدة، داني دانون، عن امتنانه للولايات المتحدة لموقفها الرافض لتمرير مسوّدة القرار الجديد حول غزة، معتبراً أنّ إقرار المشروع كان من شأنه أن يبعث برسالة إلى «حماس»، مفادها: «ارفضوا أي صفقة (لتبادل الأسرى)، وسيُكافئكم المجتمع الدولي... فيما سيتواصل الضغط على إسرائيل» لوقف الحرب.
كما ثمّن رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، الخطوة الأميركية، قائلاً، في منشور في منصة «إكس»، إنّ تلك هي «الطريقة الوحيدة للقضاء على إرهابيّي حماس»، وهي «تظهر لأعدائنا مجدّداً أنه لا فرْق بيننا»، بحسب ما قال، داعياً مَن وصَفه بـ«العالم المتحضّر» إلى المطالبة بالإفراج «الفوري» و«غير المشروط» عن الأسرى الإسرائيليّين لدى الفصائل الفلسطينية، فيما انتقد وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، ما سمّاه «مشروع القرار الأحادي الجانب في مجلس الأمن الدولي»، معتبراً أنّ إقراره «ما كان ليفضي إلّا إلى تعزيز حماس».
جبهة معارضة لواشنطن
ومع سقوط مشروع القرار الجديد حول غزة، والذي حمل إشارات حول الأوضاع الكارثية التي يعانيها الفلسطينيّون في القطاع، وحظيَ بتأييد 14 من أصل 15 من أعضاء المجلس، توالت الانتقادات الدولية للولايات المتحدة. وفي هذا السياق، هاجم السفير الصيني لدى الأمم المتحدة، فو كونغ، دعم إدارة ترامب الواسع لإسرائيل، معتبراً أنّ «نتيجة تصويت اليوم تكشف مجدّداً أنّ السبب الجذري لعجز المجلس عن تهدئة الصراع في غزة يكمن في العرقلة المتكرّرة من جانب الولايات المتحدة». ولفت كونغ إلى أنّ إسرائيل «تجاوزت كل الخطوط الحمراء» للقانون الدولي الإنساني، وقرارات الأمم المتحدة، مضيفاً أنّ عدم محاسبتها على تلك التجاوزات، يعود إلى «تمتّعها بحماية دولة واحدة».
وانسحبت تلك النبرة الغاضبة حتى على العواصم الأوروبية؛ إذ رأت المندوبة البريطانية لدى الأمم المتحدة، باربرا وودوارد، أنّ «قرارات الحكومة الإسرائيلية بتوسيع عملياتها العسكرية في غزة وتقييد وصول المساعدات الإنسانية والإغاثية إلى القطاع، تُعد غير مبرّرة، وغير متناسبة»، فضلاً عن أنّها «تأتي بنتائج عكسية»، واصفة الآلية الإسرائيلية المعتمدة حديثاً لإيصال المساعدات إلى سكان القطاع بأنها «غير إنسانية». وهو الموقف نفسه الذي عبّر عنه مندوب سلوفينيا حين شدّد على أنّه «لا يمكن أن تكون أي من أهداف الحرب ذريعة لتبرير ما تقوم به إسرائيل»، معرباً عن خيبة أمله من نتيجة التصويت.
كذلك، حمل السفير الفرنسي لدى الأمم المتحدة جيروم بونافونت، على الإدارة الأميركية، من دون أن يسمّيها، مؤكّداً أنّ «المجلس مُنع من الاضطلاع بمسؤولياته، رغم أن معظمنا يبدو متّفقاً على وجهة نظر واحدة». وفي الإطار نفسه، طالب السفير الفلسطيني لدى الأمم المتحدة، رياض منصور، حكومات العالم باتّخاذ «إجراءات حقيقية» للضغط على إسرائيل للخروج من غزة، كاشفاً «(أننا) سنتوجّه إلى الجمعية العامة في الأيام المقبلة» لعرض مشروع القرار المذكور من جديد.
هكذا، بدت الولايات المتحدة وكأنها الطرف الذي «يُعيق إرادة غالبية الدول الأعضاء في الأمم المتحدة» بحسب ما رأت صحيفة «نيويورك تايمز»، في حين أشارت مجلة «فورين بوليسي» إلى أنّ إسرائيل قد أصبحت بنظر العالم «دولة مارقة»، مضيفة أنّ «حلفاء تل أبيب الأوفياء، على غرار بريطانيا، شرعوا في النأي بأنفسهم عنها علناً» في الآونة الأخيرة.

