إسناد ليبي شرقي لـ«الدعم»: الإمارات تصعّد «حربها» مع الجيش
مع إعلان «مجلس السلم والأمن» في «الاتحاد الأفريقي» تعليق مشاركة السودان في جميع أنشطة الاتحاد، بات السودان يواجه حزمة من التهديدات الأمنية الداخلية والخارجية.


أعلن «مجلس السلم والأمن» في «الاتحاد الأفريقي» (6 الجاري) تعليق مشاركة السودان في جميع أنشطة الاتحاد «حتى يقوم بتأسيس سلطة انتقالية بقيادة مدنيّة»، باعتبار ذلك السبيل الوحيد لخروج السودان من أزمته الحالية. وبينما شدّد المجلس على تضامنه مع الشعب السوداني «في تطلّعاته إلى إطار ومؤسسات دستورية» تسمح للبلاد بتحقيق تقدُّم في جهودها نحو تحوُّل ديموقراطي، فإنه أكّد عزمه على فرض إجراءات عقابية على أفراد وكيانات «تعوّق تكوين سلطة مدنية». وجاءت الخطوة، وفق بيان المجلس، على خلفيّة عدم التقدُّم نحو تلك الغاية، منذ نيسان 2019.
وبعد هذا القرار، بات السودان يواجه حزمة من التهديدات الأمنية الداخلية والخارجية، ومنها ما أعلنه الجيش (10 يونيو) بخصوص تدخُّل قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، ذات الصلة العضوية بالإمارات، إلى جانب قوات «الدعم السريع» داخل الأراضي السودانية هذه المرّة، في ما يشير إلى إطلاق أبو ظبي أدواتها الدبلوماسية والعسكرية - الأمنية ضدّ الجيش، ردّاً على مساعيه لمواجهة تدخّلاتها في الأزمة الداخلية. ويأتي ذلك وسط مخاوف من سعي الإمارات لتحييد مواقف دول مثل مصر تجاه السودان، وإعادة توظيف أطراف إقليمية (في ليبيا وإثيوبيا وتشاد وجنوب السودان) لمصلحة تصعيد غير مسبوق في الأزمة.
دلالات التوقيت: ما يطلبه الرعاة؟
جاءت خطوة «مجلس السلم والأمن» فيما يواجه «الاتحاد الأفريقي» ومؤسّساته، وأبرزها المجلس المذكور، اتهامات بالتقصير، وعدم بذل ما يكفي من الجهود لحلّ أزمات تزداد سخونة في القارة، ولاسيّما في جمهورية الكونغو الديموقراطية، والسودان. ومن بين هذه الاتهامات، ما وجّهه الملياردير ورجل الأعمال البارز، مو إبراهيم (البريطاني من أصول سودانية)، مطلع هذا الشهر، أثناء فعالية سنوية تقيمها مؤسسته حول الحوكمة في أفريقيا، في مراكش (1-3 يونيو)، لـ«الاتحاد» وقادته، من أنّ «صمتهم إزاء (ما يحدث في) السودان يصمّ الآذان»، ودعوته إياهم إلى «التركيز على السلام كشرط مسبق للتنمية».
كذلك، لا يمكن تجاهل تصريحاته العنيفة ضدّ هؤلاء القادة، ورئيس مفوّضية «الاتحاد الأفريقي»، موسى فقي، عن أنه «عليهم عدم استخدام مصطلحات مثل القوى الاستعمارية»، لأنّ «الأجانب» يوفّرون أكثر من 70% من موازنة المنظمة الإقليمية الأبرز في القارة، في إشارة منه إلى الاتحاد الأوروبي والصين والإمارات على وجه الخصوص.
كما أتت خطوة المجلس بعد أسابيع قليلة من قطع السودان علاقاته بالإمارات، وتعمُّق الأزمة بينهما، لتغطّي على عجز مزمن في مقاربة الأول إزاء الأزمة السودانية ومثيلاتها. ويلاحَظ أنّ بيان «السلم والأمن» تضمّن لائحة بنود (اتهامية) مادامت وجّهتها وزارة الخارجية الإماراتية إلى «مجلس السيادة»؛ لا بل إنّ البيان نفسه مثّل تراجعاً حقيقياً عن موقف سابق للمجلس (11 آذار الماضي) بإدانة «التطورات الأخيرة في السودان»، والتي تسبّبت فيها قوات «الدعم السريع»، ولاسيّما «تشكيلها حكومة موازية»؛ وهو تطوّر يكسب علامات الاستفهام المثارة حول الخطوة ودوافع «مجلس السلم والأمن» الحقيقية، وجاهة ملحوظة.
حمدوك على الخط: حكومة ثانية؟
وبدا لافتاً، قبل صدور قرار «مجلس السلم والأمن» بأيام قليلة، خروج رئيس الوزراء السابق، عبد الله حمدوك، الذي عاد إلى الواجهة بدعم من «حركة صمود» المدنية، ليعلن تعميق جهوده للتوصّل إلى تسوية سياسية للأزمة في السودان. وشدّد حمدوك على ضرورة تقديم المجتمع الدولي الدعم لحلّ سياسي للأزمة في السودان، باعتباره خياراً وحيداً، معتبراً أثناء ترؤّسه وفد «صمود» في مؤتمر مؤسسة مو إبراهيم المشار إليه في مراكش، أنّ «أيّ محاولات تقوم بها السلطة المناوئة في بورتسودان لتشكيل حكومة (في إشارة إلى حكومة كامل إدريس) لن تؤدّي إلّا إلى الحرب»، فيما دعا وفد «صمود»، الذي ضمّ شخصيات معروفة بدعمها لحميدتي، مثل ياسر عرمان وعمر منيس وبكري الجاك، إلى «عملية سياسية ذات مصداقية كوسيلة وحيدة للمضيّ قدماً» وإنهاء الحرب الراهنة.
اتّهم الجيش السوداني قوات المشير خليفة حفتر، بالتورّط المباشر في الحرب إلى جانب «الدعم السريع»
ووجّه حمدوك انتقادات لاذعة إلى حكومة إدريس، معبّراً عن عدم اقتناعه بها، بينما اعتبر أنّ الانتصارات التي يتحدّث الجيش عنها على الأرض «مزيفة»، لافتاً في مقابلة (بثّتها «أسوشيتد برس» في 5 الجاري) إلى أنّ أيّ نصر للجيش «في الخرطوم أو غيرها» لن ينهي الحرب التي قَتَلت عشرات الآلاف، وشَرّدت الملايين. ويتّضح من تلك التصريحات، وما لمّح إليه حمدوك، في نهاية أيار الماضي، من مثول «شبح تفكُّك السودان» مع تصاعد الحرب، أنّ دور رئيس الوزراء السابق أُعيد تنشيطه بالكامل، وعلى نحو لا يُستبعد معه عودته إلى المشهد السياسي الداخلي، وقيادته القوى المدنية من الداخل.
حكومة إدريس والهروب إلى الأمام
لم تعلّق الحكومة السودانية المعيّنة حديثاً على قرار «مجلس الأمن» الأفريقي، فيما نجحت في مباشرة مهامّها على الأرض، كما بيّنته جولات ميدانية مكثّفة قام بها إدريس، وشملت قطاعات مجتمعية مهمّة. ورصدت تقارير دولية («أفريكا كونفيدينشيال»، 9 الجاري) مساعي إدريس الحثيثة لتشكيل الحكومة بعد حلّ الحكومة السابقة، الأمر الذي اعتبرته تلك التقارير نقلاً عن أطراف سودانيّين، انتهاكاً لاتفاق السلام لعام 2020. وحتى الآن، تبدو سياسات رئيس الحكومة في الهروب إلى الأمام، ناجعة، علماً أنّ الاختبار الأخطر أمامه يتمثّل في «احتواء هجمة القوى المدنية» المرتدّة حالياً، والتي يقودها حمدوك وتحظى بدعم واضح وصريح من قوى إقليمية، في جوار السودان كما في الخليج العربي.
المناوشات مع حفتر: يد الإمارات الخشنة؟
اتّهم الجيش السوداني (10 الجاري)، للمرّة الأولى رسميّاً، منذ نيسان 2023، قوات «الجيش الوطني الليبي» بقيادة المشير خليفة حفتر، بالتورّط المباشر في الحرب إلى جانب «الدعم السريع». ولمّح البيان إلى ضلوع جهات دولية وإقليمية في الدفع بهذا الهجوم لتصعيد التهديدات التي يواجهها الجيش وإسناد «الدعم» عبر المنطقة التي وصفها البيان بـ«الممرّ التقليدي لدعم الميليشيا بالسلاح منذ أكثر من عامين».
وجاء الحادث، الذي أنكره بيان لحفتر وقواته، واصفاً الأمر بمناوشات بين قوات الجيش السوداني وعناصر من «الجيش الوطني»، ليكشف عن اتّجاه الإمارات إلى فتح جبهات خارجية إسناداً لقوات «الدعم» في جنوب غرب البلاد وغربها، وربّما إثارة مشكلات أمنية لمصر على نحو يؤشّر إلى خيارات حفتر مستقبلاً، بما فيها التضحية بصلته «الخاصة» مع القاهرة في حال تعارض ذلك مع توجيهات أبو ظبي.
