
كان شارع الرشيد على ساحل قطاع غزة أحد مظاهر السياحة والمتنفس الوحيد للفلسطينيين، حيث تنتشر على جانب طريقه الساحلي المطاعم والكافيهات. واليوم، في ذات المكان، تنتشر رائحة الموت والبارود، خاصة بعدما أصبح هذا الشارع الطريق الوحيد الذي يصل ما بين شمالي غزة وجنوبها.
لحظات مرعبة
على عربة تجرها دراجة نارية معروفة باسم «التكتوك»، أو على عربة خشبية تجرها الحيوانات، يتنقّل الغزيون ما بين جنوبي القطاع وشماله، تسير في طريق وعرة بعدما دمر جيش الاحتلال الإسرائيلي وجرف الشارع وحوله إلى صحراء رملية صفراء.
-
(أ ف ب)
ويقول سامر نصر (19 عاماً)، الذي يعمل على عربة «التكتوك»: «بداية الحرب كنت على مقاعد دراسة الثانوية العامة، إلا أن الاحتلال حرمني فرحة النجاح ودراسة الهندسة التي كنت أحلم بها سنيّ الطفولة».
ويضيف، في حديث إلى «الأخبار»: «ها أنا أنقل المواطنين من شمال غزة إلى جنوبه، عبر ما أسماه الاحتلال الإسرائيلي بالممر الآن، بينما هو في الواقع عكس ذلك»، واصفاً السير على شارع الرشيد، «وخصوصاً عند تبة النويري النقطة الفاصلة بين شمالي القطاع وجنوبه» بالمخيفة والمرعبة.
كما يلفت إلى أن مصدر الخوف يأتي من تجارب عايشها أثناء تنقله على الشارع الذي يعمل عليه منذ أربعة أشهر بحذر، خوفاً من أي استهداف صاروخي أو بقذائف الدبابات، حيث يقول: «أتحرك في ذلك الشارع ويدي على قلبي من أي إغلاق مفاجئ لا أتمكن فيه من العودة إلى بيتي وأبقى في الشارع من دون أي مأوى».
ويذكر الشاب نصر أحد المواقف التي جعلته يتردد في العودة إلى العمل على ذلك الطريق، قائلاً: «كنت بالقرب من تبة النويري عائداً إلى شمال القطاع، وإذا بإحدى دبابات الاحتلال المتواجدة في منطقة (نيتساريم) تطلق زخات من الرصاص اتجاه المارة، وفي ذات الوقت، أطلقت الزوارق البحرية قذائفها على الشاطئ المقابل لها، ولمدة نصف ساعة متواصلة لم نستطع التحرك فيها وقلق الإغلاق ينتابنا، نحن ومن معنا من الركاب العائدين إلى مدينة غزة».
-
(أ ف ب)
وقد استشهد عدد من المواطنين في استهدافات متكررة على شارع الرشيد، مذ فتح الممر الإنساني إثر اتفاق وقف إطلاق النار بين حركة «حماس» والاحتلال.
أما أفنان ريان (34 عاماً)، فينتابها قلق شديد، قبيل رحلتها الأولى إلى منطقة دير البلح، لتزور سيدة كانت قد نزحت عندها، وقد أصابها المرض والإعياء نتيجةً لعدم توافر العلاج اللازم.
وتوضح، في حديث إلى «الأخبار»، أن القلق من السير على شارع الرشيد يأتي لما سمعته «من استهداف لسيارات تمر من هناك أو رصاص يطلق على المارة بشكل مفاجئ، وأخطرها إغلاق الطريق». وتتابع :«أخرج وأنا أحمل روحي على كفي لأرد الجميل للسيدة التي احتضنتني طوال تلك الأشهر».
وتلفت إلى أنها لم تكن تتخيل يوماً أن يصبح شارع الرشيد الذي كانت كلما أرادت الترفيه عن أطفالها تصطحبهم إليه، أصبح ممراً لاصطياد الأرواح رغم إعلان الاحتلال الإسرائيلي أنه «ممر آمن».
نجاة من موت محقق
ولا يختلف حال ثائر حسين (32 عاماً)، الذي يعمل على نقل الركاب من وإلى جنوبي قطاع غزة، عمّن سبقه، حيث يقول، في حديث إلى «الأخبار» أنه يعمل في تلك المهنة منذ أن تم فتح الطريق، موضحاً أن العمل في بادئ الأمر كان متعباً جداً لسوء الطريق ووعورتها بعد أن دمر جيش الاحتلال الشوارع والبنى التحتية.
ويضيف: «أصبح العمل خطراً جداً إثر عودة العدوان ضدنا، ومع منع تحرك السيارات، إلا أننا خاطرنا بأنفسنا من أجل الحصول على قوت أولادنا وواصلنا السير على شاطئ البحر خلسة وبحذر».
-
(أ ف ب)
ويؤكد أنه وقبل شهر من الآن، وأثناء عودته من منطقة النويري وسط القطاع متجهاً إلى مدينة غزة وبالقرب من دوار مدينة الزهراء، استهدفت قوات الاحتلال مركبة صغيرة تقل ثلاثة أفراد تبعد عنه أمتاراً قليلة، مبيناً أنه «لولا عناية الله لأُصِبت والركاب بالشظايا التي في كل اتجاه، ما اضطرني إلى العودة إلى الجنوب والانتظار حتى حضرت الإسعافات ونقلت الشهداء من المكان، ثم عدت وأكملت طريقي».
بدورها، لم تجرؤ أميمة النجار (27 عاماً) على زيارة عائلتها في مدينة غزة خشية إغلاق الطريق، وعدم قدرتها على العودة.
وتقول لـ«الأخبار»: «نزحت إلى جنوبي القطاع مطلع حرب الإبادة ودمر الاحتلال بيتي ولم أجد بيتاً آخر، فضلاً عن أن عمل زوجي في الجنوب، فاضررت إلى الاستئجار في منطقة الوسطى، ولذلك لم أتمكن من رؤية أهلي سوى مرة واحدة أثناء الهدنة».
وكان الاحتلال الإسرائيلي قد أعلن، فور استئنافه لحرب الإبادة على قطاع غزة في الثامن عشر من آذار الماضي، إغلاق محور «نيتساريم» في شارع صلاح الدين، مع الإبقاء على شارع الرشيد كممر مفتوح أمام تنقل المواطنين من شمالي القطاع إلى جنوبه فقط سيراً على الأقدام.

