
شهدت الاتصالات المرتبطة بوقف إطلاق النار في قطاع غزة، خلال الأيام الأخيرة، زخماً لافتاً وضغوطاً متزايدة على الأطراف كافة، وسط مؤشّرات على انفراجة محتملة، رغم أنّ التعقيدات التي تحكم الموقف الإسرائيلي، لا تزال تبدو ثابتة. وفي هذا السياق، أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أنّ «(رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين) نتنياهو يريد إنهاء هذه (الحرب في غزة)».
وعبّر عن اعتقاده بـ«أننا سنتوصّل إلى صفقة الأسبوع المقبل». وفي تصريح لافت، قال ترامب: «سأكون صارماً جداً مع نتنياهو بشأن إنهاء الحرب». وأشار إلى أنه سيتناول في لقائه المرتقب معه، ملفَّي غزة وإيران، في ظلّ توقّعات بأن يشكّل هذا اللقاء محطة مهمة لدفع المفاوضات إلى الأمام، ضمن خطة أكبر للمنطقة.
وجاء ذلك في وقت كشفت فيه مصادر دبلوماسية عن تقديم قطر اقتراحاً مُحدَّثاً إلى كل من العدو الإسرائيلي وحركة «حماس» لصفقة تبادل أسرى، يتضمّن تعديلات على مبادرة المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف الأصلية، أبرزها:
- وقف إطلاق النار لمدّة ستين يوماً.
- إطلاق سراح ثمانية أسرى أحياء في اليوم الأول من وقف إطلاق النار، وأسيرين إضافيين في اليوم الخمسين.
- تسليم جثامين ثمانية عشر أسيراً على ثلاث دفعات.
- انسحاب الجيش الإسرائيلي حتى محور «موراج» وزيادة إدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع.
وبحسب القناة «11» العبرية، فإنّ المستوى السياسي الإسرائيلي «لم يرفض الاقتراح الجديد حتى هذه الساعة، بل يناقش كيفية الردّ عليه»، في حين أكّدت مصادر حكومية أنّ «احتمالية التقدّم في الاتصالات عالية»، وأنّ الهدف الحالي هو «إطلاق سراح أكبر عدد ممكن من الأسرى الأحياء، ثم البحث في مصير باقي المحتجزين أثناء مدّة وقف إطلاق النار».
وأوضح موقع «أكسيوس» الأميركي، من جهته، نقلاً عن مسؤول إسرائيلي رفيع، أنّ الاقتراح القطري الجديد «يتضمّن تغييرات في صياغة بعض البنود وليس تغييرات جوهرية»، فيما الحركة لم تردّ بعد، وسط توقّعات بأن تكون المفاوضات طويلة وصعبة. ونقلت «القناة 12»، كذلك، عن مسؤولين إسرائيليين وصفهم لما يحدث بأنه «اختراق كبير يلوح في الأفق»، قد يفضي إلى استئناف المفاوضات خلال أيام، مع «تفاؤل حذر» بإمكانية تحقيق تقدّم ملموس للمرة الأولى منذ أشهر.
ولفت هؤلاء إلى أنّ الضغط الأميركي يتزايد على إسرائيل، بالتوازي مع ضغط قطري على «حماس»، بينما أبدت تل أبيب استعداداً للنظر في صيغ لم تكن تقبلها سابقاً، خصوصاً في ما يتعلّق بإنهاء الحرب، وهو موقف قالوا إنه «يرتبط بالرغبة في تسجيل اختراق قبل لقاء نتنياهو وترامب».
عُقد اجتماع ثلاثي بمشاركة نتنياهو وكاتس وزامير، لبحث السبل الكفيلة بالتقدّم في ملف الأسرى والتعامل مع غزة
وفي الإطار نفسه، كشف موقع «واللا» العبري عن اجتماع ثلاثي عُقد أمس بمشاركة نتنياهو ووزير الجيش يسرائيل كاتس ورئيس الأركان آيال زامير، لبحث السبل الكفيلة بالتقدّم في ملف الأسرى والتعامل مع غزة، على أن تُعرض قرارات هذا الاجتماع على «الكابنيت» للمصادقة عليها الخميس المقبل، قبل انعقاد جلسة إضافية مساء السبت، تسبق مغادرة نتنياهو إلى واشنطن.
مع ذلك، لا يزال الانقسام الداخلي الإسرائيلي واضحاً، إذ جدّد وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، رفضه أي حديث عن إنهاء الحرب قبل «حسم حركة حماس بالكامل»، بينما قال وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش: «نحن لا نزال في منتصف العملية.. نعيد احتلال غزة وندمّر العدو».
تلاسن داخل «الكابنيت»
كشفت وسائل إعلام العدو وقائع جلسة صاخبة عقدها «الكابنيت» السياسي - الأمني الإسرائيلي، قبل يومين، على خلفية المفاوضات حول صفقة جديدة مع حركة «حماس». وشهدت قاعة الاجتماع نقاشاً محتدماً بين زامير وعدد من وزراء الحكومة، عبّر خلاله الأول عن غضبه الشديد إزاء ما وصفه بـ«تقاعس المستوى السياسي عن تحمّل مسؤولياته تجاه قضية الأسرى المحتجزين في قطاع غزة منذ سنوات». وتركّز الخلاف الأساسي حول حدود ما ينبغي على دولة الاحتلال القيام به من أجل استعادة الأسرى، ومدى أولوية هذا الهدف مقارنة بإدامة العمليات العسكرية. وأثناء النقاش، وجّه رئيس الأركان حديثه مباشرة إلى سموتريتش، قائلاً: «أنت لا تقول كلمةً عن الأسرى».
فردّ عليه سموتريتش بلهجة حادّة: «أنت تطلب مني أن أقول بشجاعة إنني أتنازل عن الأسرى، لكنني أقول لك قلْ أنت بشجاعة إنك تتنازل عن النصر والحسم في الحرب. قلْ إنّ الجيش لا يستطيع القيام بالمهمة الموكلة إليه». وأضاف: «لم أقلّ إنني غير مستعدّ لتحرير الأسرى، لكنني لست مستعدّاً لأن أرهق الحرب كلها من أجل هذا الموضوع. هل جنودنا ضحّوا بحياتهم ليطفئوا نار حماس؟». وردّ رئيس الأركان بحدّة، بالقول: «أنت تقول إنّ دم الجنود أُريق عبثاً؟ هذا أمر خطير جداً».
وعند ذلك، تدخّل بن غفير، مهاجماً رئيس الأركان وممثّلي الجيش بقوله: «نحن لا نفكّر أبداً في الثمن (لصفقة الأسرى)، ما هو ثمن إنقاذ 10 أرواح؟ كم جندي سنفقد إذا دخلنا في صفقة لمدّة شهرين؟». وردّ عليه رئيس الأركان بنبرة لا تخلو من السخرية: «لا مشكلة، إذن احذفوا هدف إعادة الأسرى من أهداف الحرب».
وظلّ التوتّر سيّد الموقف أثناء الجلسة، من دون التوصّل إلى أي قرار نهائي، رغم كون هذا هو الاجتماع الثاني خلال أربع وعشرين ساعة لمناقشة القضية نفسها. وقبل نهاية النقاش، حاول نتنياهو، استعادة زمام المبادرة، فقال للحاضرين: «هل سنتركهم هناك (يقصد مقاتلي حماس)؟ على جثّتي. هذا لن يحدث. يجب قتل كل من يحمل السلاح.
لا أقلَّ من ذلك. هل إسرائيل العظيمة ستنهزم أمامهم؟ هل حماس ستغلب الجيش الإسرائيلي العظيم؟». ولم يوفّر نتنياهو الجيش من انتقاداته، قائلاً: «لديكم مشكلة في التقديرات. نحن أفضل جيش في العالم في العمليات لكننا لسنا جيّدين في التقديرات السياسية، هناك تقديرات خاطئة تُكرّر هنا مراراً. أقول لكم: حماس ستستسلم. أضع تقييمي الثقافي والسياسي. أنتم، الجيش الإسرائيلي، لستم جيّدين في التقديرات السياسية. هل من المستحيل الانتصار؟ بالتأكيد لا».

