مسار التطبيع السوري - الإسرائيلي: تحطيم «السقوف»... كضرورة
تكشف «الاندفاعة» السورية نحو التطبيع مع إسرائيل تخلّياً عن توازن الردع، وتحطيماً متعمّداً لإرث التمسّك بالحقوق في ظلّ اختلال موازين القوى.


لم يكُن المتابع للمنعطف السوري الحاصل منذ 8 كانون الأول الماضي، بحاجة إلى سماع وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، في الـ30 من حزيران، وهو يعلن أنّ «تل أبيب مهتمّة بتوسيع دائرة السلام لتشمل سوريا ولبنان»، ليدرك أنّ ذلك المنعطف قد بدأ يتمظهر منذ اللحظة الأولى كرأس جبل جليد لعملية مدروسة. إذ سبق هذا التطور سيل من التقارير التي راحت تنشرها عشرات المواقع والصحف، والتي تشير إلى «الاهتمام» عينه، في ما يُشبه «التمهيد المدفعي» الذي يسبق عادةً أي هجوم. وتجلّت تلك الإرهاصات في سلسلة تعبيرات ذات دلالة واضحة، وإن مخفّفة حينها، من قبيل أنّ «البلاد منهكة من الحروب»، وأنّ «سوريا الجديدة لن تشكّل تهديداً للجوار». وبدا هذا الخطاب مشبعاً بـ«الواقعية»، فيما أخفى وراءه نوعاً من «حرق المراحل»، والذي يُراد عبره دفع الشارع إلى «طنجرة بخار» من شأنها اختصار الوقت اللازم لـ«إنضاج الطبخة» في نصف الوقت المطلوب.
والمفارقة أنّ الاندفاعة السورية نحو التطبيع لم تبقَ عند حدود اللغة، بل اتخذت طابعاً عملياً متسارعاً في السلوك؛ إذ بدا أنّ فقدان «الندّية» مع العدو تحوّل دافعاً إلى إبراز نوع من «قدرة لافتة» على التفوّق في الداخل، استُخدمت في أحد وجوهها للترويج لـ«هيبة وقوة» الدولة، وللقول بأننا «أنداد» لمن نمدّ أيدينا إليهم من أجل «بناء السلام». ولم تكُن العروض العسكرية والشعارات ذات «السقوف العالية»، سوى أدوات تعمية على مشاعر دفينة راحت تتجرّعها الذات السورية بشكل شبه يومي، على خلفية التقارير والمقاطع التي تظهر جندياً إسرائيلياً وهو يقف عند شارة قرية تقع على بعد 25 كم من «الخط الأزرق»، الذي حدّدته اتفاقية «فضّ الاشتباك» الموقّعة ما بين دمشق وتل أبيب 1974.
رفض توقيع اتفاق «السلام» مع إسرائيل لا يعني بالضرورة تبنّياً لخيار الحرب
وفي سياق الممارسة ذاتها، بدا إحراق ضريح الرئيس الراحل، حافظ الأسد، فعلاً يتجاوز رمزيته الانتقامية أو «شفاء غليل مؤمنين»، حسبما ورد في المقاطع التي وثّقت الفعل؛ إذ بدا ذلك أقرب إلى محاولة واضحة لتحطيم «السقف» الذي تبنّاه الأسد إبّان المفاوضات مع إسرائيل، بدءاً من مؤتمر «مدريد للسلام» (1991) وانتهاءً بمحطة 26 آذار 2000. وتقول الوثائق التي تتناول هذه المحطّة، إنّ الرئيس الأميركي، بيل كلينتون، اتصل بالأسد الأب، طالباً لقاءه على وجه السرعة لأنّ «لديه عرضاً لم يسبق أن جرى تقديمه من قبل». وبحسب الوثائق، فقد جرى ترتيب لقاء عاجل في جنيف، و ملخّص العرض كان يقوم على استعادة سوريا للجولان مع احتفاظ إسرائيل بشريط بعرض 10 أمتار على امتداد الشاطئ الفلسطيني لطبريا. وفي حينه، قال الأسد لكلينتون: «أخرج الخريطة»، ثم طلب من مفاوضه رسم خط الحدود الجديدة عليها، فرسم هذا الأخير الخط الجديد، دالّاً على «شريط الأمتار العشرة»، ليردّ الأسد: «غير موافق»، وينتهي الاجتماع الذي دام 11 دقيقة فقط، كما روى باتريك سيل في مقالته الشهيرة في «التايمز».
والأكيد، هنا، أنّ بقاء ذلك «السقف» على حاله سيكون فعلاً معيقاً أمام المسار الراهن، بل مصدر تهديد للتوازنات الداخلية الهشّة؛ لذا اقتضى تحطيمه، ولو على حساب ما تبقّى من رمزية أو «ورقة قوة» كان يمكن للسلطة استخدامها، نظراً إلى أنها كانت نتاجاً لمرحلة من الصراع تخلّلتها جولات حرب (1973 و1982)، وعشرات جولات التفاوض المعلنة والسرّية.
كما أنّ ذلك الأداء يرفده دفع خارجي بمسار التطبيع السوري - الإسرائيلي تحديداً، مردّه أنّ هذا المسار، عدا عن أنه سيحدّد مصير سوريا ومصير شعبها ومستقبله، سيكون كما «الجسر الصلب» القادر على تدعيم الجدارات المتداعية لاتفاقات «كامب ديفيد» المصرية، و«أوسلو» الفلسطينية، و«وادي عربة» الأردنية، بل والركيزة التي يمكن أن تدعّم «اتفاقات آبراهام». إذ من دونه، ستظلّ تلك الاتفاقات تراوح ما بين وضعية «التآكل الذاتي» التي تفرضها التطورات الحاصلة في الأرض المحتلّة، وبين فقدان «البريق» الناجم عن انكفاء الشارع عنها بفعل هذه التطورات نفسها أيضاً.
على أنّ لحظة 8 كانون الأول 2024، لم تُنتج ولن تُنتج، معادلات داخلية أو خارجية تعادل ما كان سائداً على امتداد نصف قرن، تقول الإدارة السورية الجديدة إنه كان قائماً على «التفريط بالأرض والسيادة»، في معالجة ملفّ هو الأهم من بين الملفات التي يكاد سيلها لا ينتهي. وإذا كانت الإدارة تحاجج بأنّ ما تقوم به هو الممكن الآن، فإنّ الواقع يقول إنّ رفض توقيع اتفاق «سلام» مع إسرائيل لا يعني بالضرورة تبنّياً لخيار الحرب؛ إذ إنّ هذا الخيار الأخير ليس متاحاً حتماً في الحالة الراهنة، لكنه يمكن أن يكون تمسّكاً بالقرارات والاتفاقات السابقة مثل اتفاق «فض الاشتباك» للعام 1974، الذي مزّقته تل أبيب منذ صباح 8 كانون الأول المنصرم، والقرار 497 الصادر عن مجلس الأمن عام 1981، والذي أكّد بطلان ضمّ إسرائيل إلى الجولان. كما أنّ «السلام» لا يمكن أن يقوم إلا على «توازن القوى» ما بين أطراف الصراع، والذي أثبتت كل تجارب التاريخ أنه الكفيل الوحيد باستمرار «السلام». وبما أنّ التوازن غير متاح حالياً، فإنّ الخيار يجب أن ينحصر إذاً في التمسّك بما هو متاح من الاتفاقين المذكورين، وفي ما عدا ذلك سيكون الفعل أقرب إلى طلب «السلام» على أي صورة يمكن أن يجيء عليها.
ولعلّ ممّا يُذكر، على سبيل العِبرة هنا، أنّ زيارات نيفل تشمبرلين، رئيس الوزراء البريطاني، الثلاث، إلى ألمانيا ما بين أيلول 1983 وآذار 1939، كانت محاولة لتجنيب البلاد والقارة الأوروبية، حمأة صراع مدمّر كانت تباشيره تلوح عبر اختلال موازين القوى لصالح أدولف هتلر، لكنّها مثّلت، من حيث النتيجة، مدخلاً لاندلاع الحرب العالمية الثانية بعد نحو خمسة أشهر على ذلك التاريخ.
