سقوط النظام لا ينعش الزراعة: لعنة الجفاف تلاحق سوريا
رغم تغيّر السلطة في دمشق، يتواصل التنافس بين الحكومة السورية و«الإدارة الذاتية» على محاصيل القمح، فيما يواصل الجفاف شلّ الزراعة السورية، مهدّداً الأمن الغذائي.


للعام السابع على التوالي، يتواصل التنافس بين الحكومة السورية و«الإدارة الذاتية» الكردية، على شراء محصول القمح من الفلاحين، في محاولة لتأمين حاجة البلاد المتزايدة من رغيف الخبز. ويأتي ذلك وسط تحذيرات أممية من موسم إنتاج يوصف بأنه الأسوأ منذ 60 عاماً، ما يعني زيادة حتمية في الحاجة إلى الاستيراد لسدّ الفجوة التي خلّفها الجفاف القاسي هذا العام.
وعلى الرغم من سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد، وتمكّن الحكومة الجديدة من بسط سلطتها على رقعة جغرافية واسعة إثر ربط مناطق سيطرة الحكومة السابقة في إدلب ومناطق ريف حلب التي كانت تخضع لسيطرة «هيئة تحرير الشام» التي باتت تحكم البلاد حالياً، لكنّ الأزمة الزراعية ظلّت عصيّة على الانفراج بسبب الجفاف الذي لم يمنح أي هامش لتعافي القطاع الزراعي، ولا سيما في ما يخصّ المحاصيل الاستراتيجية كالقمح والشعير والبقوليات.
كما أن بقاء مناطق سيطرة «الإدارة الذاتية» خارج سيطرة حكومة دمشق، أشعل التنافس معها مجدّداً على الحصول على أكبر كمية إنتاج من الفلاحين، لتوفير الاحتياج المحلي للقمح؛ إذ إن عودة الآلاف من مناطق النزوح الخارجية والداخلية، رفعت الحاجة إلى هذا المحصول مقارنةً بالسنوات السابقة.
ومع ذلك، فإن هذا التنافس يبدو أقل حدّة في الموسم الحالي، بفعل الجفاف الذي قضى على معظم المساحات المزروعة بعلاً، وأثّر حتى في نسبة عالية من الأراضي المرويّة التي تضررت بدورها من شحّ الأمطار وجفاف الأنهر والآبار، ما أضعف الآمال بموسم مقبول. وكانت «منظمة الأغذية والزراعة» (فاو) التابعة للأمم المتحدة قد حذّرت، أخيراً، من أن نحو 2.5 مليون هكتار من الأراضي المزروعة بالقمح في سوريا قد تضرّرت بفعل الظروف المناخية، مهدّدةً بذلك أكثر من 16 مليون سوري.
وقالت مساعدة ممثل «فاو» في سوريا، هيا أبو عساف، في تصريحات إعلامية، إن الظروف المناخية القاسية التي شهدها الموسم الزراعي الحالي، والتي تُعدّ الأسوأ منذ قرابة 60 عاماً، ستدفع السلطات في سوريا إلى الاعتماد على الاستيراد، الأمر الذي من شأنه أن يزيد الضغوط الاقتصادية على البلاد التي تعاني انهياراً كبيراً في قطاعاتها الاقتصادية جراء الحرب التي شهدتها طيلة الـ14 عاماً الماضية.
يعتبر خبراء أن تكرار مواسم الجفاف في البلاد «يستوجب إجراءات جادّة لمواجهته»
بدورها، توقّعت وزارة الزراعة أن يبلغ إنتاج مناطق الحكومة ما بين 300 و350 ألف طن من القمح فقط هذا العام، وهي كمية لا تكاد تكفي لتغطية جزء يسير من الاحتياجات، في حين أشارت «الإدارة الذاتية» إلى أن إنتاجها من القمح لن يتجاوز الـ350 ألف طن في مناطق شمال البلاد وشرقها.
ويؤكّد مصدر في «المؤسسة العامة للحبوب»، في حديثه إلى «الأخبار»، أن «الكميات المُتسلّمة حتى الآن في كل مراكز الحبوب، لم تتجاوز 300 ألف طن، وهو رقم متواضع جداً مقارنةً بالاحتياجات السنوية المتنامية، وخاصة مع بدء عودة النازحين إلى مناطقهم»، لافتاً إلى أن «الحكومة ستدرس عقود استيراد لسدّ النقص الحاصل في إنتاج البلاد هذا العام، وضمان عدم حصول أزمة في توفير رغيف الخبز».
ويقول مصدر في «الإدارة الذاتية»، بدوره، إن «الكميات المتوقّعة من القمح هذا العام لا تكفي الحاجة المحلية في مناطق شمال شرق سوريا لإنتاج أرغفة الخبز، والاستهلاكات الأخرى»، لافتاً، في حديثه إلى «الأخبار»، إلى أن «هذا الموسم هو الأسوأ في محافظة الحسكة التي تُعدّ خزان القمح في البلاد وبقية المناطق منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي».
ويشير المصدر إلى أن «الإدارة الذاتية» ستلجأ إلى مخزون السنوات الماضية، مع «إمكانية اللجوء إلى الاستيراد إذا اقتضت الحاجة، أو التنسيق مع حكومة دمشق في حال تحقّق الاندماج الكامل معها»، معتبراً أن «قرار منع إخراج القمح خارج مناطق سيطرة "الذاتية" هو إجراء طبيعي، نظراً إلى أن الأخيرة موّلت الفلاحين بالبذار والأسمدة والوقود المدعوم، وهي الأحق بتسلّم محصولهم».
وتعليقاً على ذلك، يرى الخبير الزراعي، رجب السلامة، أن تكرار مواسم الجفاف في البلاد خلال السنوات الأخيرة «يستوجب إجراءات جادّة لمواجهته، والابتعاد عن الاعتماد على الزراعة البعلية كمصدر أساسي لإنتاج القمح»، مضيفاً، في حديثه إلى «الأخبار»، أن «الانفتاح العربي والغربي على سوريا يتطلّب إعادة بناء القطاع الزراعي بطرق تقلّل من تبعات الجفاف».
ويشدّد على أن هناك ضرورة لـ«تفعيل البحث العلمي، واعتماد أصناف مقاومة للجفاف، إلى جانب إدخال مساحات جديدة في دائرة الزراعات المرويّة، من خلال تفعيل مشاريع متوقفة، كمشروع جرّ مياه دجلة إلى الحسكة، الأمر الذي من شأنه أن يُحدث فرقاً ملموساً في حجم الإنتاج الوطني من القمح».
