نساء غزة تبيع حليّها... لتهدّئ قرقرة بطون صغارها
يعد بيع النساء حليّهن لأجل إطعام صغارهن، وسد جوع أطفالهن، مؤشراً بالغ الخطورة على عمق الأزمة الإنسانية التي يمر بها قطاع غزة.


بعد 21 شهراً من الإبادة الجماعية لسكان قطاع غزة، وبعد 134 يوماً من الإغلاق المحكم لمعابر القطاع، ودخول الغزيين في مرحلة الجوع الكارثية، تضطر النساء الفلسطينيات في غزة إلى بيع حليّهن لأجل سد جوع أطفالهن.
اليوم الأسود
في أحد محال المجوهرات في مدينة غزة، وضعت لينا عكيلة (29 عاماً) خاتماً من الذهب على طاولة الصائغ، وبصوت تخنقه العبرات تقول للصائغ: «أرجو أن يتم تقديره بسعر جيد كي أتمكن من شراء كيس الطحين لأطفالي».
وبعدما قبضت لينا ثمن الخاتم عبرت لـ«الأخبار» عن محاولتها الاحتفاظ به كـ«ذكرى من شقيقي الذي استشهد في العدوان الحالي، إلا أن حاجة أطفالي إلى الطعام الذي فاق سعره الخيال دفعني إلى بيعه كي اشتري الدقيق وشيئاً من البقوليات».
وتوضح بأسى: «للأسف، لا تفي النقود التي حصلتُ عليها مقابل الخاتم بشراء كيس من الدقيق الذي وصل سعر الكيلو منه إلى 75 شيكلاً، ولكن يبقى الحصول على القليل خير من لا شيء في هذا الوقت الصعب».
أما أمل (45 عاماً) والتي اكتفت بالكشف عن اسمها الأول، فتقول لـ«الأخبار» إن «الحصول على الطحين أو أي نوع من أنواع الغذاء أصبح ضرباً من ضروب الخيال، لنعيش أزمة جوع لم نشهد لها مثيلاً قط»، وتضيف: «بعت أسوارة من الذهب الخالص كنت خبأتها للزمن، وقد جاء الزمن الذي ينطبق عليه المثل: خبئ قرشك الأبيض ليومك الأسود، ولا أجد أسود ولا أسوأ من هذه الأيام التي لا يجد فيها أولادي الخمسة لقمة تهدئ قرقرة بطونهم».
-
يعاني قطاع غزة انهياراً اقتصادياً لا يتعلق بغياب السلع فقط بل بانهيار سلاسل الإمداد (أ ف ب)
وتبيّن أن حالة النزوح المتكرر والمفاجئ «دفعتنا إلى أن نترك كل شيء خلفنا بحثاً عن الأمان الذي لم نجده مذ بدأ الاحتلال حربه علينا، فلم نأخذ معنا أي طعام أو شراب لنعتمد لمدة وجيزة على طعام التكية والذي لا يكفي الصغير قبل الكبير»، وتؤكد أن ما دفعها إلى بيع قطعة الذهب هو «البقاء على قيد الحياة التي يحاول الاحتلال الإسرائيلي أن يحرمنا إياها».
وبقلب يقطر ألماً، قدمت بيسان مصطفى (36 عاماً) لصائغ الذهب، قرطاً صغيراً انتزعته من أذن طفلتها، قائلة: «منذ أسابيع ونحن ننام جياعاً، بعدما بات الحصول على الخبز والطعام أمراً صعباً في ظل استمرار حالة التجويع والحصار المطبق».
وتشير إلى أنها كانت تعتمد وصغارها، بعدما أصيب زوجها في قدميه، على الطعام الذي يقدم في التكيات، والذي «لم يعد متوافراً في ظل استمرار منع الاحتلال إدخال المساعدات الإنسانية، فمن لم يمت بالرصاص يمت حرماناً من الطعام».
الحليّ مقابل الطعام
بدوره، يوضح تاجر المجوهرات باسم الأشقر أن معظم النساء يترددن على المحل لأجل بيع مصاغهن وحليّهن وما يمتلكن من الذهب «في ظل الواقع المأساوي الذي يعيشه سكان قطاع غزة»، مؤكداً في حديث إلى «الأخبار» أن نسبة البيع تصل إلى ما يقرب من 70% مقارنة بنسبة الشراء التي تقدر من 20 إلى 30%.
وإذ يؤكد أن «معظم من يشترين الذهب هن الفتيات اللاتي تم عقد قرانهن حديثاً ولا يشترين سوى الدبلة والمحبس لإتمام الزواج، خلافاً لما كانت تشتريه العروس سابقاً»، يقول الأشقر إن الحزن والألم يكون بادٍ على وجه السيدة التي تبيع الذهب «ولولا الجوع الذي آلم قلوبهن لما بادرن إلى بيع حليّهن».
الأزمة الإنسانية تتعمق
تعقيباً على ما تقدم، يؤكد المختص في الشأن الاقتصادي، محمد بربخ، أن بيع النساء حليّهن لأجل إطعام صغارهن، وسد جوع أطفالهن، مؤشر بالغ الخطورة على عمق الأزمة الإنسانية التي يمر بها قطاع غزة.
-
يحتاج قطاع غزة في الوضع الطبيعي من 500 إلى 600 شاحنة يومياً من الاحتياجات الأساسية (أ ف ب)
ويقول في حديث إلى «الأخبار» أن قطاع غزة يعاني انهياراً اقتصادياً ومعيشياً صعباً، في ظل استمرار الحصار الذي لا يتعلق بغياب السلع فقط، بل بانهيار سلاسل الإمداد، وغياب الخدمات، ودمار البنية التحتية الأساسية.
ويوضح بربخ أن قطاع غزة يحتاج في الوضع الطبيعي من 500 إلى 600 شاحنة يومياً على الأقل لـ«تغطية الاحتياجات الأساسية لسكانه، بما يشمل الغذاء، والدواء، والمياه، والوقود»، مبيناً أن ما يسمح الاحتلال الإسرائيلي بإدخاله في الأسابيع الأخيرة من مساعدات لا يتجاوز 10 إلى 15% من حاجة الناس.
ويقول إن «النقص الحاد يُبقي مئات الآلاف في دائرة الجوع والمرض، ويجعل من كل شاحنة تدخل القطاع نقطة في بحر الاحتياجات»، لافتاً إلى أن معظم المواطنين في قطاع غزة يعتمدون بشكل كامل على المساعدات الإنسانية وبنسبة تصل إلى ما يقرب من 100% في عدد من المناطق، «ليبقى سكان قطاع غزة في حالة إفقار ممنهج وتجويع متعمد».
وفي تقرير «التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي» الصادر عن 17 وكالة إنسانية تابعة للأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية دولية، تحذر الوكالات الأممية من أن 470 ألف شخص في غزة، سيواجهون جوعاً كارثياً (المرحلة الخامسة والأشد من التصنيف) خلال المدة بين أيار وأيلول 2025، بزيادة قدرها 250% عن تقديرات التصنيف السابقة.
ويشير التقرير إلى أن السكان بأكملهم يعانون من مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد، و«يتوقع أن 71 ألف طفل وأكثر من 17 ألف أُم سيحتاجون إلى علاج عاجل من سوء التغذية الحاد».
