ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

من أميركا اللاتينية إلى غزة: المجاعة سلاحاً في يد الاستعمار

فلسطين
حفظ المقالة

منذ فجر الاستعمار، لم تكن سياسة تجويع الشعوب المغزوَّة مجرّد أثر جانبي للحروب أو نتيجة عرضية للصراعات، بل كانت ولا تزال سياسة مدروسة تتقنها القوى الاستعمارية وتُحسن توظيفها كأداة للهيمنة والسيطرة.

زينب الموسوي
زينب الموسوي
الإثنين 21 تموز 2025
عمد الكيان الصهيوني إلى وسيلته الأكثر فتكاً: «تجويع الغزيين» (الأخبار)
عمد الكيان الصهيوني إلى وسيلته الأكثر فتكاً: «تجويع الغزيين» (الأخبار)
الخط

منذ فجر الاستعمار، لم تكن سياسة تجويع الشعوب المغزوَّة مجرّد أثر جانبي للحروب أو نتيجة عرضية للصراعات، بل كانت ولا تزال سياسة مدروسة تتقنها القوى الاستعمارية وتُحسن توظيفها كأداة للهيمنة والسيطرة.

في منظومة الاستعمار، يتحوّل رغيف الخبز من قوت يومي إلى وسيلة طيّعة لكسر الكرامات، وإخماد الإرادات، ودفع الشعوب إلى الركوع أو الرحيل أو الفناء، بصمتٍ لا تصحبه أصوات القنابل، فقط أنين البطون الخاوية.

استخدم الاحتلال أشكال هذا السلاح كافة في مشاريعه الاستعمارية، من الحصار الاقتصادي إلى منع الإمدادات الغذائية، من مصادرة الأراضي الخصبة أو حرقها إلى تدمير البنية الزراعية، من تخريب مخازن القمح إلى التلاعب بأسعار السوق، وكلها تهدف إلى كسر إرادات الشعوب جوعاً.

وبينما يتشدق الخطاب الدولي بحقوق الإنسان، وتحظر اتفاقية جنيف الرابعة (1949) تجويع السكان المدنيين كوسيلة من وسائل الحرب، ويُدرج نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ذلك ضمن جرائم الحرب، تُرتكب، على مرأى العالم ومسمعه، واحدة من أفظع الإبادات الجماعية في التاريخ الحديث، بكل أنواع الأسلحة، وسط تواطؤ دولي تام.

إذ عمد الكيان الصهيوني، بعد ما يقرب من العامين من الإبادة الممنهجة، إلى وسيلته الأكثر فتكاً: «تجويع الغزيين». لقد أصبح كل من فيها جائعاً، من أطفال ونساء، أطباء وصحافيين، مصابين ومسعفين، ولم يكتفِ بذلك، بل «أحاطت دباباته بالمجوّعين الباحثين عن كسرة خبز من كل الجهات، وبدأت حصد الأرواح، بالمدافع والرصاص وقنابل الـ«كواد كابتر»»، وفقاً للزميل الغزي يوسف فارس. وقد استهدف العدو قوافل المساعدات 121 مرة حتى الآن، واستشهد أكثر من 900 فلسطيني في مراكز المساعدات. وبلغ عدد الشهداء، نتيجة نقص الغذاء والدواء، أكثر من 620 منذ تشرين الأول 2023 حتى اليوم.

  • بلغ عدد الشهداء نتيجة نقص الغذاء والدواء أكثر من 620 منذ تشرين الأول 2023 (أ ف ب)
    بلغ عدد الشهداء نتيجة نقص الغذاء والدواء أكثر من 620 منذ تشرين الأول 2023 (أ ف ب)

ووفقاً لخطة استراتيجية مبرمجة، يحاصر العدو الصهيوني 2.4 مليون غزّي بلا غذاء كافٍ ولا دواء، ومعظم سكان غزة دخلوا في المرحلة الخامسة من الجوع، وهي الأشد بمؤشر المجاعة (الأونروا).

لم يكن الأطفال بمنأى عن همجية الاحتلال ووحشيته، بل يدخل المستشفيات يومياً 112 طفلاً للعلاج من سوء التغذية، وقد استشهد 71 طفلاً بسبب سوء التغذية والجوع، وهناك 650 ألف طفل معرّضون للموت بسبب سوء التغذية والجوع. أما الحوامل، فـ 60 ألف سيدة منهن في خطر حقيقي جراء انعدام الغذاء والرعاية.

قطاع غزة الذي يعيش منذ 2007 حصاراً إسرائيلياً شاملاً براً وجواً وبحراً امتدّ ليشمل كل مقومات الحياة الكريمة، في واحدة من أكثر سياسات العقاب الجماعي تطرّفاً، حتى تحول إلى «أكبر سجن مفتوح في العالم» - بتوصيف الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي - والذي تعرّض «لإبادة بطيئة عبر الحصار»، وفقاً لصحيفة «لوموند»، يدفع اليوم ثمناً باهظاً لعدم استسلامه ولتمسّكه بخيار المقاومة، وهو يُقدَّم على مذبح السياسة العالمية مقايَضاً برغيفه.

لكنها ليست المرة الأولى في التاريخين القديم والحديث التي يُستخدم فيها الرغيف سلاحاً، بل دائماً ما اعتمدت الإمبراطوريات القديمة، ومن بعدها القوى الاستعمارية الحديثة، هذا السلاح الصامت والأكثر فتكاً ضد أهل الأرض. ونقرأ في جوع غزة اليوم نصّاً استعمارياً قديماً كُتب مراراً في أفريقيا، وآسيا، وأميركا اللاتينية.

التجويع في التاريخ الاستعماري

أميركا اللاتينية: السيطرة على الغذاء والإبادة الممنهجة

منذ اللحظات الأولى للغزو الإسباني لأميركا اللاتينية، استخدم المستعمِرون الاستعباد والسيوف والأوبئة، جنباً إلى جنب التجويع، أسلحةً لإخضاع السكان الأصليين وإبادتهم. إذ يقول القس الإسباني «بارتولومي دي لاس كاساس» (1542) إن الهنود «كانوا يموتون بالمئات من الجوع، يعملون في مناجم الذهب تحت الشمس بلا طعام ولا راحة، يتساقطون جوعى كالأشجار اليابسة».

ويروي الكاتب إدوارد غاليانو في كتابه «الشرايين المفتوحة لأميركا اللاتينية»، كيف لم يكن التجويع نتيجة، بل «سياسة» يستخدمها الغزاة في غزوهم، فلم يسرقوا المعادن فقط، بل الموارد الزراعية كالذرة والكاكاو وغيرها، تاركين السكان الأصليين يموتون من الجوع ليأكل المستعمر، ويصدّر ما تبقى إلى أوروبا. كما قتل الإسبانُ الزعماءَ المحليين، ثم أحرقوا مخازن الطعام، و«دفعوا الناجين إلى العمل القسري مقابل القليل من الذرة».

وعلى طول هضبة الالتيبلانو الأنديزية، كان حمّالون من هنود الإيمار، والكيتشواس، يحملون أحمالاً حتى بأسنانهم مقابل رغيف خبز، في حين حُرم سكان منطقة باتاغونيا وجبال الأنديز من مزارعهم ومياههم وأُجبِروا على خدمة الاقتصاد الاستعماري الإسباني.

وفي البيرو، دُمرت قنوات الري التي بناها شعب الإنكا، وتم تجويع القرى لدفعها إلى الاستسلام والخضوع. وفُعّل «نظام الإنكوميندا» في أميركا الجنوبية والوسطى، فأجبر الإسبان السكان الأصليين في البيرو والمكسيك وغواتيمالا على العمل في المناجم والمزارع مقابل حصص طعام غير كافية، ودمّروا أنظمة الزراعة التقليدية لإحلال الزراعة التجارية التصديرية بدلاً منها، ما تسبب في مجاعات.

  • يتحوّل رغيف الخبز في منظومة الاستعمار من قوت يومي إلى وسيلة طيّعة لكسر الكرامات (أ ف ب)
    يتحوّل رغيف الخبز في منظومة الاستعمار من قوت يومي إلى وسيلة طيّعة لكسر الكرامات (أ ف ب)

لم يتوانَ المستعمرون عن تجريد السكان الأصليين من إنسانيتهم، فقد رأوهم «حيوانات بلا مالك»، وأجروا الأبحاث لبرهان أنهم مجرد «حيوانات جر»، لذا، كان على البونغو أن يأكلوا بقايا طعام الكلاب ويناموا بجوارها، ويركعوا لكل رجل أبيض، حتى ثورة 1952، التي أعادت إلى الهنود «حق المساواة الممرّغ بالوحل»، وفقاً لغاليانو.

وفي القرن التاسع عشر، تبنّى الأميركيون سياسة تجويع القبائل لإجبارها على الاستسلام. فقد أشار الجنرال فيليب شيريدان إلى جنوده قائلاً: «اقتلوا الجواميس، ولن تحتاجوا إلى قتل الهنود»، وبذلك أُبيدت أعداد كبيرة من الجواميس، المصدر الأساسي لغذاء قبائل السهول الكبرى.

وفي سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، شهدت أميركا اللاتينية حروباً أهلية وصراعات مسلحة، خاصة في غواتيمالا والبيرو، حيث استخدمت الحكومات العسكرية التجويع كوسيلة لإخضاع المجتمعات الأصلية التي اتُّهمت بدعم حركات التمرد، فحرقت المحاصيل، وقطعت سلاسل الإمداد، وفرضت الحصار على القرى الجبلية.

الاستعمار البريطاني في الهند والسودان

أما بريطانيا، فلم تكن أقل وحشية في استعمارها الهند والسودان. وكان أبرز من نظّر ومارس هذا النوع من الإبادة ونستون تشرشل الذي قال، أثناء المجاعة البنغالية عام 1943، إن «الهنود هم من تسببوا بجوعهم»، فقُتل أكثر من 3 ملايين هندي جوعاً، نتيجة قرار تشرشل بتحويل الإمدادات الغذائية إلى الجيش البريطاني.

وفي السودان خلال الاستعمار البريطاني-المصري، صُدّرت الحبوب رغم المجاعة المحلية الخانقة.

أميركا وإبادة الغطاء النباتي الفيتنامي

من جهتها، كانت حرب فيتنام مختبراً مرعباً لسياسات التجويع الحديثة، حيث لم تكتفِ القوات الأميركية باستخدام القصف العنيف أو التكتيكات البرية في مواجهة الشعب الفيتنامي، بل لجأت إلى سلاح آخر أشد فتكاً: تجويع السكان عبر تدمير بيئتهم الطبيعية والزراعية.

فقد ألقت الولايات المتحدة كميات هائلة من المبيدات السامة، وعلى رأسها «العامل البرتقالي» (Agent Orange)، على الغابات والحقول، في حملة إبادة بيئية غير مسبوقة في التاريخ المعاصر. لم يكن الهدف فقط تجفيف منابع الدعم للمقاتلين، بل إبادة الغطاء النباتي كوسيلة مباشرة لتجويع الشعب وإخضاعه.

وكانت نتائج هذه الحرب البيئية كارثية بكل المقاييس. فقد دُمّر ما لا يقل عن 1.5 مليون هكتار من الغابات، بينها نحو 125 ألف هكتار من أشجار المانغروف النادرة، وأبيدت كذلك 300 ألف هكتار من الأراضي الزراعية الخصبة، أي ما يعادل خُمس المساحات الخضراء في البلاد حينها، وهي مساحة كانت تكفي لإطعام ربع مليون فيتنامي على الأقل.

  • صار التجويع يستخدم أداة للحرب بلا رادع فعلي (أ ف ب)
    صار التجويع يستخدم أداة للحرب بلا رادع فعلي (أ ف ب)

كما لجأت قوات الاحتلال الأميركية إلى قصف السدود المائية، في خطوة مبيّتة لتجفيف التربة، وإغراق مساحات واسعة بالمياه الراكدة، أو على العكس، حرمان القرى والمزارع من مصادر الريّ الأساسية. وهكذا، ضُربت البنية التحتية للزراعة من الجذور، وتحوّلت الأراضي الخصبة إلى أراضٍ قاحلة غير منتجة، في إطار سياسة تهدف إلى شلّ قدرة المجتمع الفيتنامي على الحياة والاكتفاء الذاتي.

ومع مرور أكثر من أربعة عقود، لا تزال آثار هذه الجريمة البيئية والإنسانية ماثلة في الأرض وفي الأجساد، فيما تبدو محاولات إصلاح المناطق المدمرة أقرب إلى العبث، إذ بقيت غالبية الأراضي خربة، غير صالحة للزراعة أو السكن.

قوى التحالف جوّعت اليمن

وفي التاريخ الحديث، كانت المجاعة اليمنية أبرز شاهد على وحشية قوى الاستعمار وأدواتها الوظيفية في المنطقة. فمنذ عام 2015، فرض التحالف بقيادة السعودية والإمارات، وبدعم لوجستي أميركي-بريطاني، حصاراً برياً وبحرياً وجوياً على اليمن. وطال الحصار الموانئ ومراكز التوزيع، ولا سيما ميناء الحديدة، ومنع دخول شحنات الغذاء والدواء والوقود والمساعدات الإنسانية. كما قُصفت البنى التحتية الغذائية، واستُهدف الاقتصاد عبر نقل البنك المركزي من صنعاء إلى عدن، ما أوقف صرف مرتبات أكثر من مليون موظف منذ 2016. وقد قدّر برنامج الغذاء العالمي أن حوالى 17 مليون يمني عانوا من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وما لا يقل عن 85,000 طفل ماتوا جوعاً حتى عام 2018، وفقاً لتقرير «Save the Children».

الصمت الدولي تواطؤ على إبادة الغزيين

إن استعراض حالات التجويع عبر العصور، من مستعمرات الإمبراطوريات الأوروبية إلى الحصار المزدوج الذي تتعرض له غزة اليوم، يُظهر أن التجويع لم يكن أداة عشوائية أو ناتجاً عرضياً للصراعات، بل سياسة واعية وممنهجة تمارسها قوى استعمارية وإحلالية لإخضاع الشعوب وإبادتها، واستدامة السيطرة السياسية والاقتصادية على بلدانها.

إقرأ أيضاً: المماطلة الإسرائيلية تتمدّد: مفاوضات غزّة في «حلقة مفرغة»

فقد أثبتت الوقائع أن الحصار والتجويع أكثر فعالية – على المدى الطويل – من الرصاص، لأنه يفتك بالبنية النفسية والبيولوجية والاجتماعية للمجتمعات، كما إنه يعيد تشكيل الخريطة الديموغرافية، ويقضي على قدرة الناس على المقاومة أو حتى التفكير في المستقبل. ومع اتساع الفجوة بين نصوص القانون الدولي وواقع الممارسة، صار التجويع يستخدم أداة للحرب بلا رادع فعلي، وهو ما يجعل الصمت الدولي تجاه ما يحدث في غزة امتداداً متواطئاً لعمليات إبادة الغزيين.

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك