
القاهرة | لا يزال إعلان وزارة الداخلية المصرية «إحباط مخطط إرهابي» يتضمّن «تنفيذ عمليات عدائية ضد منشآت أمنية واقتصادية داخل مصر»، تقوده حركة «حسم» التابعة لـ«جماعة الإخوان المسلمين» المحظورة في مصر، يتفاعل في البلاد على نحو واسع. وقالت الداخلية المصرية، أول من أمس، إنها «رصدت معلومات تتضمّن اضطلاع قيادات حركة (حسم)، الجناح المسلّح لجماعة الإخوان الإرهابية الهاربة بدولة تركيا، بالإعداد والتخطيط لمعاودة إحياء نشاطها وارتكاب عمليات عدائية تستهدف المنشآت الأمنية والاقتصادية».
وأضافت أنه في إطار العملية التي جرت في حي بولاق الدكرور في محافظة الجيزة، «تمّت مداهمة وكر الإرهابيين المذكورين اللذين بادرا بإطلاق الأعيرة النارية بصورة عشوائية في اتجاه القوات والمنطقة المحيطة بالعقار». وتابعت أن «تبادل إطلاق النار أسفر عن مصرع الإرهابيين المذكورين واستشهاد أحد المواطنين الذي تصادف مروره بمحل الواقعة متأثّراً بإصابته»، بالإضافة إلى «إصابة ضابط من أفراد القوة أثناء محاولة إنقاذ المواطن».
وبدا توقيت هذا الإعلان الذي أثار موجة من التفاعل الشعبي لافتاً، ولا سيما أنه يأتي بعد 13 يوماً من ظهور فيديو منسوب إلى الحركة، مدته 3 دقائق و38 ثانية بعنوان «سبيل المؤمنين: هذا هو الطريق»، تضمّن مشاهد لتدريبات عسكرية لعناصرها على الأسلحة الرشاشة والقذائف، مرفقة بأناشيد، وتعهّدت فيه بشن هجمات داخل مصر، ربطتها بتطورات إقليمية، خصوصاً العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، كما هدّدت باستهداف السجون المصرية لإطلاق سراح مُدانين من «الإخوان».
وبحسب البيان، فإن أبرز القيادات المتورّطة في «التخطيط للمخطط الإرهابي الجديد»، هي شخصيات معروفة بتاريخها في «العمل المسلح والإرهاب»، يتصدّرها يحيى السيد إبراهيم موسى، أحد أبرز مؤسّسي «حسم» والمشرف على هيكلها العسكري، الهارب إلى تركيا، والصادرة بحقه عدة أحكام بالإعدام والمؤبّد في قضايا عديدة، من بينها اغتيال النائب العام هشام بركات، ومحاولة استهداف الطائرة الرئاسية، واغتيال ضابط الأمن الوطني ماجد عبد الرازق.
كذلك، ظهر اسم محمد رفيق إبراهيم مناع، المحكوم عليه بالمؤبّد في قضايا محاولة استهداف شخصيات مهمة وتزوير مستندات لدعم عناصر من «الإخوان». أمّا علاء علي علي السماحي، العقل المدبّر لمحاولة استهداف موكب مدير أمن الإسكندرية، فهو أحد أبرز قادة «حسم»، ويلاحقه القضاء المصري بأحكام مؤبّدة في عدد من القضايا. وإلى جانبهم، برز اسما كلٍّ من محمد عبد الحفيظ عبدالله عبد الحفيظ، وعلي محمود محمد عبد الونيس، وكلاهما متورّطان في قضايا اغتيالات ومحاولات استهداف منشآت حيوية، ومحكوم عليهما بالسجن المؤبّد وأحكام بالسجن في قضايا «إرهاب» وعنف مسلح.
تحدّثت «الشبكة المصرية لحقوق الإنسان» عن غياب أي دلائل قضائية أو أمنية على تورط إيهاب عبد اللطيف، وعن اختفائه قسرياً قبل إعلان مقتله
وجاءت الضربة الأمنية، وفقاً للبيان، بعد رصد تحرك عنصر خطير من عناصر «حسم» يُدعى أحمد محمد عبد الرازق أحمد غنيم، وهو مطلوب على ذمة قضايا «إرهابية»، وعلى رأسها قضية استهداف الخفراء النظاميين في محافظة الشرقية، وقضية اغتيال أمين شرطة من قوة الأمن الوطني. ولفت البيان إلى أن غنيم المحكوم عليه بالإعدام والمؤبّد في هذه القضايا، تسلّل إلى مصر عبر الدروب الصحراوية، واتخذ من شقة في منطقة بولاق الدكرور وكراً لاختبائه، تمهيداً لتنفيذ عمليات «إرهابية» بالتنسيق مع العنصر الآخر إيهاب عبد اللطيف محمد عبد القادر، المطلوب ضبطه وإحضاره في قضية «إرهابية» تعود إلى العام الجاري.
وبدا البيان الأمني وكأنه مصمّم لتأدية وظيفة الرد على «التهديدات» التي تُمثّلها الحركة، والبعث برسائل إقليمية في شأن جدية القاهرة في مواجهة الجماعات العابرة للحدود؛ إذ أوردت الداخلية أن «المخطط (كان) سيجري تنفيذه من خلال دفع أحد عناصر الحركة الهاربين بإحدى الدول الحدودية، السابق تلقّيه تدريبات عسكرية متطورة بها، للتسلل إلى البلاد بصورة غير شرعية»، الأمر الذي يُغذّي خطاباً مصرياً معتاداً حول تخاذل بعض العواصم في ضبط حدودها.
وفيما تواصل القاهرة سرديتها عن استباق التهديدات ومواجهة تنظيمات لا تزال فاعلة عبر خلايا صغيرة تتلقّى الأوامر من الخارج، يُستخدم هذا الأمر لتبرير اليقظة الأمنية المستمرة، على الرغم من أن آخر العمليات المنسوبة إلى حركة «حسم» تعود إلى عام 2019، حين اتهمتها السلطات المصرية بالتورط في تفجير سيارة في محيط معهد الأورام في وسط القاهرة، ما أسفر عن مقتل 22 شخصاً، وإصابة العشرات. كما نُسبت إليها محاولة استهداف مفتي مصر الأسبق، الدكتور علي جمعة، والنائب العام المساعد، إلى جانب اغتيال رئيس مباحث طامية في محافظة الفيوم عام 2016؛ عام إعلان تأسيس الحركة، وهي العملية التي أعقبت إعلان «حسم» عن نفسها رسمياً.
ومع أن البيان أُرفق بفيديو مصوّر للعملية، فتحت تلك السردية باباً واسعاً أمام تساؤلات حقوقية، أبرزها صدر عن «الشبكة المصرية لحقوق الإنسان»، في بيان ركّز على قضية تصفية الطالب إيهاب عبد اللطيف، الذي زعمت الداخلية انتماءه إلى حركة «حسم»؛ إذ تحدّثت الشبكة عن غياب أي دلائل قضائية أو أمنية على تورطه، وعن اختفائه قسرياً قبل إعلان مقتله. وتتصل هذه الشكوك بنمط متكرر: اختفاء قسري، ثم بيان أمني، من دون عرض على النيابة أو صدور أحكام، الأمر الذي لا يطرح فقط انتهاكاً للقانون، بل يهدد بتآكل شرعية الردع نفسها.

