
لم يغب صوت تونس يوماً عن ميادين المقاومة، إذ يشكّل شعبها جزءاً أصيلاً من معادلة الصمود في وجه المشروع الإسرائيلي. وبينما تتنوع الأساليب بين التحرك الميداني، والعمل الشعبي، والضغط السياسي، يبقى الهدف واحداً: دعم القضية الفلسطينية مهما كان الثمن.
واليوم، تعود تونس لتتصدر واجهة التضامن مع غزة عبر مبادرة «أسطول الصمود العالمي»، في محاولة جديدة لكسر الحصار المفروض على القطاع.
فبعد أن فشلت «قافلة صمود المغاربة»، التي انطلقت من تونس، بالوصول إلى غزة براً حيث عُطّلت شرقي ليبيا، وبعد أن فشلت كذلك مبادرة «الغلوبال مارش» بالوصول إلى القطاع جواً عبر مطار القاهرة، أو سيراً على الأقدام عبر معبر رفح، تعمل «تنسيقية العمل المشترك من أجل فلسطين» في تونس، بالتنسيق مع جهات أخرى في دول مختلفة حول العالم، على جمع التبرعات وتأمين أكبر عدد ممكن من القباطنة والسفن، للتوجه إلى غزة بحراً، في محاولة جديدة لكسر الحصار عنها.
وهذه المهمّة مختلفة عن سابقاتها، كما يوضح مؤسس «التنسيقية» وائل نوّار، في حديث مع «الأخبار» قائلاً: «لسنا أول من يذهب إلى غزة بحراً، ولكننا أول مهمّة تذهب بهذا العدد الكبير من السفن والمشاركين»، متحفّظاً عن ذكر العدد الدقيق لأن «ذلك يعطي العدو فكرة قد تمكّنه من حصار مواقعنا وحصار سفننا».
ويشير نوّار إلى أن القرار بالذهاب بحراً عبر المياه الدولية جاء «لكي نشتبك مباشرة مع العدو، من دون أن نضيّع الوقت مع أذنابه»، معرباً عن اعتقاده بأنه «لن يكون من السهل اعتراض عشرات السفن وإلقاء القبض على مئات الناشطين، خاصةً أنهم من دول مختلفة وبجنسيات مختلفة. وهذا يجعل العدو بين خيارين: إمّا أن يتركنا نصل إلى غزة، أو أن يعترضنا ويتحمّل المسؤولية السياسية والديبلوماسية لأفعاله».
ومن المقرر أن تنطلق القافلة من دول مختلفة، فمثلاً سيُبحر الماليزيون يوم 23 آب، والأوروبيون من إسبانيا يوم 31، وسيُبحر أسطول من تونس يوم 4 أيلول (إلى جانب دول أخرى يتحفّظ نوّار عن ذكرها)، على أن يكون اللقاء في المياه الدولية قبالة مالطا في 5 أيلول، ليتم التوجّه بعدها مباشرة إلى غزة.
من «التنسيق» إلى القيادة
وبالتوازي مع «أسطول الصمود»، تعتزم «التنسيقية»، بالتعاون مع منظمات أخرى في المجتمع التونسي، تنظيم المزيد من الاحتجاجات والاعتصامات الشعبية دعماً لغزة ورفضاً لاستمرار الإبادة الجماعية. فـ«التنسيقية» تأسست عام 2017 بهدف «توحيد الشعارات وتوحيد المنصات» بين مختلف الأطراف الداعمة للقضية الفلسطينية، وفقاً لنوّار.
غير أن النقلة النوعية الحقيقية كانت بعد «طوفان الأقصى»، عندما «ضعفت المنظمات والأحزاب والجمعيّات التي كانت دائماً داعمة للقضية الفلسطينية، وتخاذلت عن نصرتها»، إذ يقول نوّار إنه «رغم الإرادة الطيبة لتلك الجهات، ولكن الإمكانات المادية والبشرية والعزيمة لم تكن متوافرة».
ومنذ ذلك الحين، تقود «التنسيقية» لواء النشاطات الداعمة لفلسطين وغزة والمقاومة في تونس، عبر الندوات الفكرية، والتظاهرات الدورية مثل تلك التي تُنفّذ أمام السفارة الأميركية كل سبت، وصولاً إلى ما يُطلق عليه نوّار اسم «العمليات النوعية»، والتي تتضمن، على سبيل المثال، عرقلة النشاطات الداعمة للاحتلال بشكل مباشر أو غير مباشر.
ضد كلّ ما يهدد المقاومة
ومن أبرز التحركات التي نظمتها «التنسيقية»، والتي أحدثت صدى في لبنان، كانت الوقفة أمام السفارة اللبنانية في تونس، عقب القرار الذي أصدرته الحكومة اللبنانية لنزع سلاح المقاومة.
وعن هذا التحرّك، يستذكر نوّار العبارة التي أطلقتها «التنسيقية» بعد «طوفان الأقصى»: «نحن نقف مع من يقف مع المقاومة، ونضرب على اليد التي تمتد لضرب المقاومة ما دامت هذه المقاومة موجهةً سلاحَها إلى العدو»، مشدداً على أن «حزب الله اليوم، مثل كل الفصائل، جزء لا يتجزأ من هذه المقاومة، والإضرار به هو إضرار بالمقاومة ككل».
من اعتصام أهالي تونس الشرفاء أمام السفارة اللبنانية في تونس استنكاراً لقرار السلطة اللبنانية بنزع سلاح المقاومة.
— Zaynab Moussawy (@zaynab_moussawy) August 9, 2025
صوت هذه المرأة العظيمة يلخّص أصوات كل أحرار العالم، وموقفها موقفهم جميعاً❤️ pic.twitter.com/Xb8RjiAO6Y
وعند سؤاله عمّا يجمع تونس بفلسطين وبالمقاومة رغم البُعد الجغرافي، يبيّن نوّار أن «الشعب التونسي تاريخياً مع القضية الفلسطينية، ولم يتخلّف عن أي حدث شهدته فلسطين».
ويضيف أنه «رغم ما تقوم به الحركات الداعمة للقضية الفلسطينية، ما يزال ذلك دون المستوى، بالنظر إلى العلاقات التاريخية والشعبية، واختلاط الدم التونسي بالدم الفلسطيني»، مستشهداً بحادثة اغتيال القيادي في حركة «فتح» خليل الوزير (أبو جهاد) على أرض سيدي بو سعيد، ومهندس طائرات «حماس» التونسي محمد الزواري، الذي اغتيل كذلك في صفاقس، إضافة إلى عدد كبير من الشهداء التونسيين في فلسطين، ممّن نشطوا ضمن حركات المقاومة.
تحرّكات بلا تمويل
أما عن العقبات التي تواجهها «التنسيقية»، فيوضح نوّار أنها اصطدمت في البداية بالتضييق والحصار من قبل النظام التونسي، ولكن «تم تجاوز ذلك في الشهر الأول بعد "طوفان الأقصى"»، مشيراً إلى أن «التنسيقية» لا تقدّم نفسها كإطار معارض أو موالٍ للحكومة التونسية، بل «تُقيم كل موقف على حدة وفقاً للإجراءات والمواقف المتعلقة بالقضية الفلسطينية».
والعقبة الثانية هي نقص التمويل، «فالقضية الفلسطينية بالذات لا تجد إلا العرقلة، والتشويه، والحشد المعاكس، لأن الممولين العالميين والمحليين معادون للقضية الفلسطينية ومرتبطون بالإمبريالية العالمية، وبالتمويلات الأميركية والأوروبية، التي تمنع الدفاع عن حق الفلسطينيين».
لذلك، تعتمد «التنسيقية»، بحسب نوّار، على العمل التطوعي، وعلى «السمعة الطيبة، وإجماع كل القوى السياسية والمدنية في تونس» عليها، ما يغطّي النقص اللوجستي.
إسناد غزة «إسناد للجميع»
في الختام، يعود الحديث إلى «أسطول الصمود»، الذي يعزيه نوّار أهمية كبرى معرباً عن إيمانه بأنه سينجح في الوصول إلى غزة، وإن لم يصل، «فسيُحدث ضرراً كبيراً للديبلوماسية الصهيونية، وسيكشف للعالم مرة جديدة أن مشكلة العدو ليست فقط مع الفصائل المسلحة، بل حتى مع المدنيين من كل أنحاء العالم، الذين لا يحملون إلّا الحليب لأطفال غزة».
كذلك، يدعو نوّار شعوب دول الطوق مع غزة، وتحديداً الشعب المصري، إلى تحمّل «المسؤولية التاريخية الكبرى» التي تقع على عاتقه في ظل الإبادة.
-
يدعو نوّار شعوب دول الطوق مع غزة إلى تحمّل «المسؤولية التاريخية الكبرى» التي تقع على عاتقهم (أ ف ب)
ويؤكد أنه «رغم علمنا بالأوضاع الصعبة التي يمر بها الشعب المصري والتضييقات التي تواجهها التحركات الداعمة لفلسطين، فإن تحركه، مهما كان صغيراً نحو معبر رفح، يَزن أكثر من عشرة آلاف تحرك ضخم من تونس».
وينبّه نوّار إلى أن تحرك الشعب المصري لن يكون إسناداً لغزة فقط، بل لنفسه أولاً، ولجميع الشعوب العربية، في ظل التصريحات الإسرائيلية المتكررة عن «إسرائيل الكبرى»، ومطامع قضم مختلف الدول العربية.

