تداعيات الانقسام السوري: التعليم العالي (ليس) الناجي الوحيد
يواجه التعليم العالي في الحسكة خطر الزجّ به في الانقسام السوري، مع ضغوط لنقل كليّات «الفرات» إلى إدارة «روج آفا»، ما يربط مصير الجامعات باتفاق 10 آذار.


منذ سقوط النظام السوري السابق، خرجت كل مؤسسات الدولة في محافظة الحسكة الواقعة تحت سيطرة «قسد» عن الخدمة، بما في ذلك الدوائر الحكومية والمصارف والمدارس.
إلا أنّ توافقاً غير معلن على تسيير شؤون سبع كلّيات تابعة لـ«جامعة الفرات» في المحافظة، جعل من التعليم العالي، الناجي الوحيد في ظلّ الانقسامات التي تعيشها البلاد منذ أكثر من ثمانية أشهر. وبينما واصلت الكلّيات المشار إليها، وهي: الآداب، الحقوق، الزراعة، الهندسة المدنية، الاقتصاد، التربية والعلوم، عملها بشكل طبيعي من دون أي انقطاع، تمّ إنجاز امتحانات التعليم النظامي والمفتوح لأكثر من 30 ألف طالب يدرسون فيها، بلا أي عوائق.
وهكذا، ساهم التنسيق المحلّي بين إدارة الجامعة والجهات المشرفة في «الإدارة الذاتية» في تحييد التعليم العالي، ومنع جرّ الانقسامات إليه، خلافاً لما جرى في المدارس والدوائر الحكومية، الأمر الذي أتاح استقراراً ملحوظاً للعملية التعليمية. وباستثناء محاولة وحيدة من قِبل أشخاص محسوبين على «الإدارة الذاتية» لرفع علم الأخيرة على مبنى كلّية الحقوق، انتهت بالتراجع عن الأمر، لم تُسجّل الكلّيات الجامعية أي تدخّل مباشر منذ سقوط النظام.
غير أنّ هذا الواقع بدأ يهتزّ أخيراً، بعدما نشر عميد كلية الاقتصاد، حسن صالح الأحمد، تسجيلاً صوتياً قال فيه إنه «تلقّى طلباً من جهة تابعة للإدارة الذاتية بإخلاء الكلّية قبل 15 أيلول، مع نيّة الإدارة نقل تبعيّة هذه الكلّيات إلى «جامعة روج آفا» أو إدارة الجامعات في شمال وشرق سوريا».
وأثار التسجيل ردود فعل غاضبة في محافظة الحسكة، ودفع إلى ممارسة ضغوط على «الإدارة الذاتية» للاستمرار في تحييد التعليم العالي عن التجاذبات السياسية، وعدم التدخّل فيه، نظراً إلى أنه يمسّ معظم العائلات في المحافظة.
وأمام توسّع التفاعل الشعبي مع التسريبات التي تحدّثت أيضاً عن ضغوط لتحويل تبعيّة كلّيات «الفرات» التي تتبع إدارياً إدارة «جامعة الفرات» في محافظة دير الزور، إلى إدارة «جامعات شمال وشرق سوريا»، أصدرت «الإدارة الذاتية» بياناً نفت فيه ما سمّته «الأخبار الكاذبة والمضلّلة»، قائلة إنّ «هذه المزاعم لا أساس لها من الصحة، وإنّ الهدف من نشرها هو زعزعة الأمن والاستقرار والإساءة إلى روح التعايش المشترك بين مكوّنات شمال وشرق سوريا».
وأضافت أنه «على العكس تماماً، تعمل الإدارة الذاتية عبر مجلس الجامعات على تعزيز العملية التعليمية وتطوير البنية الجامعية، حيث ستقوم جامعة روجافا بافتتاح أقسام جديدة في مدينة الحسكة خلال المدّة القادمة، وذلك بهدف استقبال المزيد من الطلاب وتخفيف أعباء السفر والتنقّل إلى المدن الأخرى». وأشارت إلى أنه «بالنسبة إلى طلبة السنوات الثانية والثالثة والرابعة والخامسة في جامعة الفرات – فرع الحسكة، فإنهم سيواصلون دوامهم المعتاد تحت إدارة الجامعة كما في السابق، مع استمرار مجلس الجامعات في تقديم الدعم اللازم لضمان استكمال مسيرتهم الدراسية، تماماً كما تمّ في العام الدراسي 2024/2025».
وإزاء ما تقدّم، تكشف مصادر مطّلعة، في حديثها إلى «الأخبار»، أنّ «إدارة الجامعات في مناطق سيطرة «قسد» قدّمت ملفّاً متكاملاً بخصوص الجامعات والكلّيات والمعاهد التي تديرها إلى وزارة التعليم العالي في دمشق، وطلبت الاعتراف الرسمي بها أسوة بجامعات الشمال»، مضيقةً أنّ دمشق «تريّثت في الردّ وربطت البتّ في الموضوع بتطبيق اتفاق 10 آذار، الذي يُفترض أن يشكّل مدخلاً لحلّ ملفات عالقة، بينها ملف الجامعات».
وتلفت المصادر نفسها إلى أنّ «استثناء طلاب السنة الأولى من بيان إدارة الجامعات في شمال وشرق سوريا، يؤشّر إلى نيّة عدم فتح باب التفاضل في كلّيات جامعة الفرات في الحسكة للعام الدراسي الجديد»، وهو ما يعُدّ «مؤشّراً على نيّة استنساخ تجربة المدارس، التي بدأت بمنع التعليم الحكومي في المدارس الابتدائية، تدريجياً، قبل أن يتمّ منعه بشكل تام بعد 5 سنوات». وترى المصادر أنّ «الهدف من هذه الضغوط على الحكومة الانتقالية، هو انتزاع اعترافها بجامعات «الإدارة الذاتية»، مقابل السماح باستمرار عمل كلّيات جامعة الفرات بشكل اعتيادي»، مرجحةً أن «يُناقش ملف التعليم العالي في الحسكة ضمن بنود اتفاق 10 آذار، مع ارتباط مصيره بنجاح تطبيق الاتفاق من عدمه».
