السيسي في السعودية طلباً للتهدئة | القاهرة - الرياض: حرب صامتة
شكّلت زيارة السيسي إلى نيوم محاولة لاحتواء التوتر مع السعودية، بعد أسابيع من تصعيد صامت شمل تجميد المساعدات والاستثمارات وضغوط سياسية في ملفات غزة ولبنان.


القاهرة | لم يُعلن مسبقاً عن زيارة الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، إلى مدينة نيوم للقاء ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، إلّا أن الزيارة بدت محاولة جديدة لاسترضاء الرياض، واحتواء الخلافات التي تصاعدت بين البلدين في الأسابيع الأخيرة. وتأتي هذه الزيارة بعد استقبال وزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان، الشهر الماضي، في مدينة العلمين، حيث التقى السيسي ونظيره بدر عبد العاطي. وعلى الرغم من التصريحات الدبلوماسية التي شدّدت حينها على «متانة العلاقات»، لم تمضِ أيام قليلة حتى لمّح رئيس «هيئة الترفيه» في المملكة، تركي آل الشيخ، إلى استبعاد الفنانين المصريين من النسخة المقبلة من «موسم الرياض».
وفي هذا الإطار، تقول مصادر مصرية مطّلعة، في حديثها إلى «الأخبار»، إن «خطوة آل الشيخ، المعروف بقربه من ولي العهد، لم تكن مجرد رسالة فنية مرتبطة بالانتقادات التي تعرّض لها في الإعلام المصري وفق ما حاول البعض الترويج له، إنّما إشارة سياسية - اقتصادية إلى بدء تجميد المساعدات السعودية لمصر، في إطار تضييق الخناق على نظام السيسي اقتصادياً»، لافتة إلى أن «هوّة الخلافات اتّسعت بين البلدين في ظلّ ضغوط السعودية في ملفات مشتركة، خصوصاً ما يتعلّق بقطاع غزة وآليات التعامل مع المقاومة، بالإضافة إلى امتعاض سعودي من التدخلات المصرية في سياسات إقليمية تتبنّاها المملكة مع عدة دول».
على أن الضغوط لم تقتصر على تجميد الاستثمارات، إنّما شملت أيضاً فرض المواقف السياسية على القاهرة، وخصوصاً في ما يتعلق بالمقاومة في غزة و«حزب الله» في لبنان، وفقاً للمصادر التي تشير أيضاً إلى أن التضييق السعودي على النظام المصري اتّخذ أشكالاً متعدّدة، من بينها «تراجع الدعم الفني للمشاريع المصرية، وغياب أي ضخ مالي جديد في الاقتصاد المصري أو التفاوض على صفقات جديدة»، الأمر الذي تزامن مع «تعثّر الشركة المتحدة التي تديرها المخابرات في مواصلة الإنتاج بالوتيرة نفسها بعد العزوف السعودي عن التمويل». وتلفت المصادر إلى أن «المملكة أعادت توجيه الاستثمارات نحو دول أخرى، في مقدّمتها سوريا والأردن وربما لبنان مستقبلاً في حال سارت الأمور فيه وفق ما يريده الأمير الشاب».
فشلت جميع محاولات الانفتاح المصرية في احتواء الخلافات مع الرياض
وبحسب المصادر، فإن «جميع محاولات الانفتاح التي قادها مسؤولون مصريون على مدار الأشهر الماضية، والمرونة التي أبداها هؤلاء إزاء القضايا السياسية، فشلت في احتواء الخلافات، على الرغم من التغييرات التي أجرتها القاهرة في جهاز المخابرات وشملت إقالة اللواء عباس كامل وفريقه؛ إذ بقي السعوديون متحفّظين على سلوكيات نظرائهم المصريين، معتبرين أنها بمثابة «وصاية سياسية» تفرض رؤيتها على أولويات المملكة».
وفيما مثّل الانفتاح السعودي على النظام السوري الجديد إحدى النقاط الجوهرية في الخلافات بين البلدين، تقول المصادر إن «خلافات أخرى كانت أكثر جوهرية من وجهة النظر المصرية التي ترى أن سياسات ابن سلمان تربك المنطقة وتعزز الخلافات بين الفرقاء السياسيين، في ظل التدخلات المباشرة المتزايدة»، مضيفة أن «سياسة ابن سلمان من شأنها أن تدفع نحو الصدام، وذلك بدعم إماراتي واضح»، متابعةً أن «غطرسة ابن سلمان تجاه المصريين تزايدت منذ وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض».
وتلفت المصادر إلى أنه «بينما تبدو الخلافات بين القاهرة وأبو ظبي محدودة وأقلّ ممّا هي عليه بين الأولى والرياض، لكنّ الفرق يظهر جلياً في طريقة تعامل ولي العهد السعودي مع القاهرة، حيث يتجاهل الخبرات التاريخية المصرية في التفاوض مع مختلف الأطراف الإقليمية، ولا يتريّث قبل إصدار قرارات حادّة يريد أن يراها مُطبّقة بالفعل».
مع ذلك، ترى المصادر أن مصر لا تزال قادرة حتى الآن على «الصمود» في وجه الضغوط، «في ظلّ محاولاتها تخفيف حدّة المناقشات في القضايا الخلافية، وتقديم رؤيتها بشكل معمّق وتفصيلي مع شرح أبعاد كل مسار، من دون التقيّد بالاستجابة الفورية للمطالب السعودية»، متابعة أن «هذا الأسلوب بات معتمداً في أروقة المخابرات المصرية وتكرّر عدّة مرات في الشهور الماضية، وسط دور قطري غير مباشر في تقريب وجهات النظر، تثني عليه القاهرة».
وعلى الرغم من تحسّن العلاقات المصرية - القطرية، فإن الشروط التي تضعها الدوحة للاستثمار «تُعدّ الأصعب» من وجهة نظر المسؤولين المصريين؛ إذ تطالب قطر بضمانات تجنّبها التنكيل بالاستثمارات في حال عودة الخلافات السياسية، على غرار ما حدث إبّان فترة الحصار الذي فُرض من مصر والسعودية والإمارات والبحرين عليها.
