الشرق والجنوب مستثنيان: انتخابات على مقاس الشرع
يكرّس استثناء الشرق والجنوب من انتخابات مجلس الشعب نهج الإقصاء، ويهدّد اتفاق 10 آذار، مع تصاعد اعتراضات «الإدارة الذاتية» ومكوّنات سورية واسعة.


أحدث قرار اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب في سوريا، باستثناء مناطق سيطرة «الإدارة الذاتية» والسويداء من الاستحقاق المقرّر نهاية العام، تراجعاً في مستوى الأجواء الإيجابية بين دمشق و«الذاتية»، ما يفتح الباب أمام عودة التصعيد الإعلامي على الأقلّ؛ إذ عُدّ القرار الذي أثار حفيظة «الذاتية» و«مجلس سوريا الديموقراطية» (مسد)، استمراراً لـ«النهج الإقصائي» الذي تعتمده الحكومة الانتقالية تجاه بعض مكوّنات الشعب.
هكذا، لم يكدْ يبدأ مفعول حديث الرئيس الانتقالي، أحمد الشرع، عن ثقته بأنّ اتفاق 10 ذار سيمضي نحو التطبيق في أثناء أشهر، حتى جاء هذا القرار ليؤكّد استمرار الشّرخ الواسع بين الحكومة التي تعمل على تطبيق المركزية المطلقة في قرارتها، و«الإدارة الذاتية» التي تتمسّك بـ«اللامركزية» بوصفها النموذج الأنسب لعبور سوريا المرحلة الانتقالية بسلام.
وبعد جدال عن كيفية تطبيق القانون الانتخابي في المحافظات التي لا تزال خارج سلطة الحكومة الانتقالية، مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي، وقرب صدور قرارات اللجان الفرعية للانتخابات، التي ستقرّر بدورها الهيئات التي سيحقّ لها الانتخاب، قرّرت «اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب» استثناء محافظات الحسكة والرقة والسويداء، في سابقة لم تعشْها سوريا، حتى في أثناء سنوات الحرب، وخروج مناطق واسعة عن سيطرة الدولة.
وأعلن المتحدّث الإعلامي باسم اللجنة، نوار نجمة، أنه «حرصاً من اللجنة العليا على التمثيل العادل في مجلس الشعب للمحافظات الثلاث، ونظراً لما تشهده هذه المحافظات من تحدّيات أمنية، فإنّ اللجنة العليا قرّرت إرجاء العملية الانتخابية في المحافظات المذكورة لحين توافر الظروف المناسبة والبيئة الآمنة لإجرائها»، لافتاً إلى أنّ مخصّصات المحافظات الثلاث من المقاعد «تبقى محفوظة إلى حين إجراء الانتخابات فيها في أقرب وقت ممكن».
غير أنّ هذا التبرير لم يقنع «الإدارة الذاتية»، التي رأت في الأمر انقلاباً على اتفاق 10 آذار الذي يتيح لها المشاركة في الحكم والقرار الوطني، الأمر الذي دفعها إلى إصدار بيان ندّدت فيه بالتوجّهات الحكومية التي أقصت مكوّنات الشعب من عدّة استحقاقات وطنية منذ سقوط النظام السابق، وهي الحوار الوطني والإعلان الدستوري وتشكيل الحكومة الانتقالية، واصفة هذه الخطوات بأنها «مناقضة لأهداف الثورة السورية».
وأضافت أنّ «التاريخ يكرّر نفسه ويتمّ مرة أخرى سلب هذا الحقّ من كل السوريين، لأنّ هذه الانتخابات ليست ديموقراطية ولا تعبّر عن إرادة السوريين بأي شكل من الأشكال، ولا تمثّل سوى استمرار لنهج التهميش والإقصاء الذي عانى منه السوريون في أثناء 54 عاماً تحت حكم البعث»، متابعة أنّ «إجراء ما يسمّى بالانتخابات في الوقت الراهن هو تغييب وإقصاء لقرابة نصف السوريين عن هذه العملية، سواء عبر التهجير القسري أو عبر سياسات ممنهجة لمنع مشاركة المكوّنات والقوى الفاعلة في رسم مستقبل البلاد».
وإذ رأت «الذاتية» في هذا الإقصاء «دليلاً قاطعاً على أنّ ما يسمّى بالانتخابات هو خطوة شكليّة لا تستجيب لمتطلّبات الحلّ السياسي الشامل الذي يحتاجه السوريون»، فهي اعتبرت أنّ «تعريف مناطقنا بأنها مناطق غير آمنة لتبرير سياسة الإنكار لأكثر من خمسة ملايين سوري، هو عارٍ من الصحة لأنّ مناطق شمال وشرق سوريا هي أكثر المناطق أمناً مقارنةً بالمناطق الأخرى في البلاد».
كما أكّدت أنّ «قراراً يتمّ اتخاذه ضمن هذا النهج الإقصائي لن نكون معنيّين بتنفيذه، ولن نعتبره ملزماً لشعوب ومناطق شمال وشرق سوريا»، داعية المجتمع الدُّولي والأمم المتحدة إلى «عدم الاعتراف بهذه الانتخابات المناقضة للقرار 2254». ورأت أنّ الحلّ «لن يكون عبر إعادة إنتاج السياسات القديمة نفسها، بل عبر مسار سياسي شامل، يشارك فيه جميع السوريين بمختلف مكوّناتهم وإرادتهم الحرّة، للوصول إلى سوريا ديمقراطية تعدّدية لامركزية، تضمن الحقوق وتفتح آفاق السلام والاستقرار»، على حدّ قولها.
ومن جهته، رأى الرئيس المشترك لـ«مسد»، محمود المسلط، أنّ «مناطق الإدارة الذاتية جزء لا يتجزّأ من سوريا»، لافتاً إلى أنّ «أي خلل أمني يمسّ جميع المناطق السورية». وأشار «(أننا) ننعم بالاستقرار في مناطقنا، وأي محاولات لإبعادنا بحجّة الأمن ليست سوى ذرائع تتّخذ ضدّ شمال وشرق سوريا»، متابعاً أنّ «مسد والإدارة الذاتية يريدون أن يكون البرلمان شرعياً ولكل السوريين»، وأنّ «اتفاق 10 آذار أثبت أننا نسعى لمصالحة وطنية».
وإزاء ما تقدّم، يؤكّد مصدر كردي، في حديثه إلى «الأخبار»، أنّ «الأجواء العامة كانت توحي بأنّ الحكومة بصدد إظهار جدّية أكبر في تنفيذ اتفاق 10 آذار، غير أنّ قرار إقصاء مناطق الإدارة الذاتية وغيرها أثبت العكس». ويضيف المصدر أنه «كلّما تزايدت الضغوط الدُّولية على الحكومة الانتقالية، تلجأ الأخيرة إلى المناورة، فتبدو منفتحة على جميع المكوّنات، إلا أنها سرعان ما تعود إلى نهجها الإقصائي».
ويرى أنّ «القرار يكرّس الانقسام ويهمّش شريحة واسعة من السوريّين بذريعة الأمان»، مشدّداً على ضرورة «عدول حكومة دمشق عن النهج الإقصائي، والانفتاح على كل مكوّنات الشعب السوري». ويدعو إلى «التراجع عن القرار، وعدم تهميش المنطقة»، مؤكّداً أنّ «الإدارة الذاتية لن تمانع في الغالب، إجراء الانتخابات إذا أتيحت الفرصة للجميع لممارسة حقّهم في الترشيح والتصويت بحرّية وديمقراطية».
